بين فكّي القمع والتطرّف ومسعى للحكم الذاتي

يتوزّع الدروز في سورية في العديد من المناطق، وجبل حوران يُعتبر التجّمع الأهم لهم، إذ يشكّلون أغلبية سكانه, وفيه أهمّ مدنهم وقراهم، كالسويداء وشهبا وصلخد، وللدروز تواجدٌ أيضاً في القنيطرة، وجزءٌ منهم في الجولان المحتلّ، بالإضافة لريف إدلب حيث يتوزّعون على 18 قرية في ما يسمّى بـ جبل السمّاق ويقارب عددهم ما بين 4 إلى 5 بالمئة من سكان سورية.

شهدت مناطق الدروز هدوءاً نسبيّاً قبل اندلاع الأزمة السورية، وإبان اشتعال الأزمة أختار الدروز موقف “الحياد” وعدم الانجرار وراء حربٍ مشكوكٌ في أمر سلطانها ومعارضيها ونظامها، وبدأوا ينسجون بهدوءٍ نظامهم الخاص الذي يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ نظامَ “الإدارة الذاتية” في شمال سوريا.

موقف الدروز من  الأزمة السورية

في آذار/ مارس 2011، ، قام رئيس النظام السوري بشار الأسد وزوجته بزيارة محافظة السويداء، وقد كان الهدف الظاهري لزيارتهما هو الوقوف على سير مشروعٍ تنموي للقرى التي تعاني من الجفاف، في الوقت الذي كانت فيه “الثورة” تختمر في محافظة درعا المجاورة، فمن شأن زيارة الأسد تلك أن تثير الاستغراب؛ فهل كان الأسد، من واقع معرفته بتصدّر الدروز للحركات التمرّدية التاريخية في سوريا – مثل “الثورة السورية الكبرى” عام 1925 ضدّ الفرنسين – قلِقاً من أن ينقلب هذا الشعب عليه.

بعد أيّامٍ فقط من الزيارة، بدأ محامون دروز في السويداء بالإعراب عن تضامنهم مع “المعارضة”، وسرعان ما أعقب ذلك اندلاع احتجاجاتٍ سارع النظام لقمعها، لكن بلون وأساليب مخالفة للأساليب المستخدمة مع باقي المدن السورية، إذ لم يستخدم العنف المفرط، في محاولةٍ منه لعدم التصعيد وزيادة حدّة التوتّر والاحتقان ضد الأجهزة الأمنية في هذه المدينة.

وفي أوائل 2013، دعت مجموعةٌ من مشايخ الدروز لقطع جميع العلاقات مع “من يحمل السلاح إلى جانب النظام”، وكانوا يعارضون بنفس القدر [من الإيمان] أولئك الدروز الذين انضمّوا إلى صفوف “المعارضة” – بمن فيهم الملازم أوّل في جيش النظام خلدون زين الدين، الذي انشقّ ليشكّل كتيبة سلطان باشا الأطرش، التي توائم أهدافها مع تلك التي يسعى إلى تحقيقها ما سُمّي بـ “الجيش الحر”.

كما وجّهوا معاتبة وتحذير للضابط الدرزي في جيش النظام العميد عصام زهر الدين، الذي -وفقاً لـ “هيومن رايتس ووتش”- أمرَ بمعظم العمليات، ضرب المتظاهرين في دوما في بداية الأزمة.

لكن معظم الدروز اختاروا الابتعاد عن هذا الصراع، فقد دفعت الجالية الدرزية حصّتها من الدم الذي شمل العموم السوري، شاملة المقاتلين في كلا الجانبين والمعارضين للنظام غير المسلّحين، وكان أبرزهم  وحيد البلعوس أحد أهم شيوخ الطائفة الدرزية، وزعيم تجمّع  “مشايخ الكرامة”، الهادف لحماية المناطق الدرزية من تداعيات النزاع السوري والمعروف بمعارضته تجنيد أبناء طائفته ومشاركتهم في الحرب الأهلية السورية، وقد أكّد أكثر من مرّة انه مستهدف من النظام السوري بعد مواقفه الحيادية. قُتل في 4 سبتمبر 2015 باستهداف سيّارته مع مجموعةٍ من الشخصيات الدرزية .

“مافيات النظام” تحكم الدروز

ارتفع معدّل الجريمة في محافظة السويداء بشكلٍ كبير، ولاسيّما في الآونة الأخيرة؛ حيث لا يكاد يمرُّ يوم إلا وتحدث فيه جريمة قتلٍ أو خطفٍ أو سرقة. وذلك خلافاً لطبيعة المحافظة التي طالما اتّسمت بالأمان والتماسك الاجتماعي، وغالباً ما تُوجَّه الاتهامات في هذه الجرائم إلى مليشياتٍ محلية تابعة للقوى الأمنية في المدينة وعلى رأسها ميليشيا الدفاع الوطني بقيادة رشيد سلوم و “جمعيّة البستان” التي يقودها أنور الكريدي، بالإضافة إلى “حزب الله” السوريّ و”الحزب القوميّ السوريّ” الذي يقوده باسم رضوان، وهذا ما ثبت في معظم الحالات وبالدليل القاطع.

فمن يحكم المجتمع الأهلي في السويداء الآن هم المافيات لا الدولة، ويعود ذلك إلى رغبة النظام في أن يكون الصراع في السويداء صراعاً بينيّاً، لينسحب ظاهرياً من دور اللاعب إلى دور “الحكم غير النزيه”، وتندرج هذه السياسية وفق استراتيجيةٍ اتبعها النظام في سوريا عامّةً منذ بدء الأزمة عام 2011؛ حرب الجميع ضدّ الجميع.

 المتطرّفون يحكمون الدروز في إدلب

يقطن الدروز في إدلب في منطقة جبل السمّاق شمال المدينة، وهم الآن تحت سيطرة متطرّفي جبهة النصرة، حيث أكّدت التقارير عن إصدار النصرة قراراتٍ تقضي بمشروعية استيلائها على البيوت الدرزية في جبل السمّاق، بالإضافة لهدمها لمزاراتٍ وأضرحةٍ وصفتها “بالشركية” وكان “أبو محمد الجولاني” زعيم النصرة – جناح تنظيم القاعدة في سوريا- قد قال في لقاءه “الخاص” على الجزيرة بأنه “أرسل دعاة إلى القرى الدرزية لأجل تصحيح مذهبهم”، ما أثار حفيظة الرأي العام بخصوص هذه المنطقة.

في 6 حزيران\يونيو 2015، أقدمت مجموعةٌ من إرهابيي النصرة بقيادة المدعو أبو عبد الرحمن التونسي على قتل 24 مدنياً أعزل من الدروز في قرية قلب لوزة، وبعد المجزرة بيوم جاءت مجموعةٌ أخرى من “النصرة” فرع  مدينة حارم الواقعة على الحدود مع تركيا، واستلمت زمام الأمور من مجموعة “التونسي”، حاولت المجموعة تهدئة الأهالي، واعدةً السكان بأنها ستسلّم تلك القرى للمجموعة السورية في التنظيم الإرهابي.

رغبة الدروز في إدارةٍ ذاتية

بعد اغتيال الشيخ وحيد البلعوس المؤيَّد من قِبل فئةٍ كبيرة من الأوساط الشعبية في السويداء، طالبت أوساط درزية وناشطون من مشايخهم، بـ “الحكم الذاتي” ولم تتوقّف مطالب الدروز عند الإدارة الذاتية فقط، بل طالبوا بفتح معبر حدودي مع الأردن، ولعلّ ما صرّح به الرئيس الجديد لـ “مشايخ الكرامة” رأفت البلعوس، في بيان “جبل العرب”، يحدّد بشكلٍ واضح مطالب الدروز في التحرّر.

وجاء فيه ”بأن تكون السويداء منطقة محرّرة واستمرار عمل المؤسسات العامة والخدمية بإشراف الإدارة الذاتية المنبثقة من الهيئة المؤقّتة لحماية الجبل، وتكليف لجنة التفاوض السياسي للتواصل مع الحكومات وهيئات ومؤسسات المجتمع الدولي لنقل الحقائق، واعتماد وضع الجبل تحت بند المنطقة الآمنة أو منطقة حظرٍ جوي، وفتح معبرٍ حدودي مع الأردن بالتنسيق مع حكومته”.

وما زاد من توضيح هذه المطالب هو أحد خطابات بشار الأسد، والذي اعترف فيه بما أسماه “استراتيجية في التخلّي عن بعض المناطق بشكلٍ مقصود، بغية وجود مناطق أكثر أهمية”، أو ما بات يُتداول إعلامياً بسورية المفيدة، ما اعتبره مراقبون ومعارضون سوريون نوعاً من “الاعتراف الضمني بفيدرالية الشمال السوري الذي يُعتبر من أهدئ المناطق وأكثرها أماناً الآن في سورية ممّا شجّع الدروز للسعي وراء استنساخ تجربة الإدارة الذاتية في شمال سوريا و “روج آفا”.

انتشار الجريمة والفساد المجتمعي والتهجير القسري والقتل في أغلبه أعمالٌ من رجس التنظيمات المتطرّفة والأجهزة الأمنية، الأوّل سعى إلى التطهير العرقي والأخير جاهد من أجل صناعة الفوضى والجريمة، ما يفرض على الدروز البحث في الحلول البديلة التي تقيهم من شرِّ الطرفين.

 

شادي محمد