الانتفاضة الفلسطينية الأولى

في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من كل عام يحيي الفلسطينيون ذكرى اندلاع أوسع انتفاضة شعبية ضد إسرائيل عام 1987، التي سميت بـ”انتفاضة الحجارة” أو “الانتفاضة الأولى” والتي امتدت لست سنوات، وانتهت بتوقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة تحرير الفلسطينية عام1993، إلا أن تلك الانتفاضة شكلت نقطة انعطاف بارزة وتحولاً مهماً في مسيرة الشعب الفلسطيني وقضيته.

الانتفاضة الفلسطينية الأولى جاءت بعد نحو 4 عقود من سيطرة إسرائيل على القسم الأول من الأراضي الفلسطينية فيما يعرف بالنكبة عام 1948، وكذلك الاستيلاء على أراضٍ فلسطينية واسعة عام 1967، كما أنها جاءت بعد 5 سنوات على الاجتياح الإسرائيلي للبنان، على خلفية اتهام تل أبيب الفصائل الفلسطينية بمحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في العاصمة البريطانية لندن، واستخدامها الأراضي اللبنانية لشن هجمات على إسرائيل، فيما اعتبر آنذاك من قبل الفلسطينيين ذريعة تهدف للقضاء على وجود منظمة التحرير الفلسطينية السياسي والعسكري في لبنان.

تكثيف عمليات الهدم ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة التي سبقت الانتفاضة الفلسطينية كان أيضاً سبباً في انطلاق الانتفاضة، وذلك بعد الفوز الانتخابي الذي حققه حزب الليكود اليميني في عام 1977، واتباع سياسات تعسفية ضد الفلسطينيين من خلال الضرب والإيقاف من دون محاكمة والتعذيب إلى جانب إغلاق الجامعات والعقوبات الاقتصادية وبناء المستوطنات رداً على التظاهرات الفلسطينية المتصاعدة في أعقاب الهجوم البري الذي نفذته إسرائيل على لبنان عام 1982.

في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على لبنان برز ما يعرف بمعسكر السلام في الجانب الإسرائيلي، والذي رأى فيه الفلسطينيون اللبنة الأساسية لتغيير السياسية الإسرائيلية، ووجدوا فيه الحافز والفرصة للبدء في الانتفاضة الأولى عام 1987، لكن لم يكن ذلك فقط سبباً لانطلاق الشرارة التي فجرت الغضب الفلسطيني، بل إن حادثة اصطدام مركبة عسكرية إسرائيلية بشاحنتين تقلان عمالاً فلسطينيين على حاجز بيت حانون، والذي أسفر عن مقتل 4 منهم وإصابة 7 آخرين، شكلت الشرارة المباشرة لاشتعال الانتفاضة، حيث اعتبر الفلسطينيون أن تلك الواقعة عمل انتقامي ورد على مقتل إسرائيلي طعناً في قطاع غزة قبل أيام قليلة.

شرارة الانتفاضة الأولى انطلقت من مدينة جباليا في قطاع غزة في ديسمبر/كانون الأول 1987 لتتوسع في مدن وقرى ومخيمات فلسطين وتتردد أصداؤها بالضفة الغربية وأراضي 1948، وحملت اسم “انتفاضة الحجارة”، بسبب اتخاذ الفلسطينيين من الحجارة سلاحاً لهم في مواجهة الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.

الاحتجاجات الفلسطينية غلب عليها الطابع السلمي، واقتصرت على المقاطعة الجماعية والعصيان المدني ورفض الفلسطينيين العمل بوظائف في إسرائيل، إجراءات دفعت بوزير الدفاع إسحق رابين إلى تبني ما يسمى بسياسة القبضة الحديدية للقمع العنيف، حيث استخدم الذخيرة الحية ضد المحتجين والتنكيل بحق المتظاهرين المسجونين وفرض حظر التجول والإغلاق الذي وصف بالعقابي، ولعبت المرأة دوراً بارزاً في الانتفاضة عبر رفع الوعي والتنظيم والمشاركة في التظاهرات وتوزيع المناشير والبيانات كشكل من أنواع الإعلام البديل بسبب اعتقال الصحفيين وتشديد الرقابة على وسائل الإعلام التي لم تستطع الوصول إلى الرأي العام الفلسطيني، بالإضافة إلى دورها في إمداد المحتجين بالاحتياجات مثل الغذاء والدواء.

الانتفاضة الفلسطينية الأولى أسفرت عن مقتل ما يزيد على 1550 فلسطينياً، وإصابة أكثر من 70,000، واعتقال ما بين 100,000 إلى 200,000، من بينهم أكثر من 18,000 تم احتجازهم رهن الاعتقال الإداري لفترات طويلة من الزمن دون محاكمة، كما قتل 160 إسرائيلياً، قبل أن تتوقف الاحتجاجات بعد توقيع اتفاقيات أوسلو الفلسطينية الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول عام 1993، والتي أدت إلى إنشاء السلطة الفلسطينية، وسمحت للآلاف من فلسطينيي الشتات بالعودة إلى ديارهم للمرة الأولى منذ أن أجبروا على الخروج من فلسطين عام 1948.

وإبان الانتفاضة الأولى أعلنت ما تسمى حركة المقاومة الإسلامية والتي تعرف اختصاراً بحماس التابعة للإخوان بيانها التأسيسي في 15 ديسمبر كانون الأول 1978 خلال الانتفاضة، بزعامة أحمد ياسين الذي قتل في ضربة جوية إسرائيلية عام 2004، ورفضت الحركة اتفاقيات السلام المؤقتة التي تم توقيعها في عام 1993 بين إسرائيل وحركة التحرير الفلسطينية (فتح) التي كان يتزعمها آنذاك الرئيس ياسر عرفات.

وترى حركة حماس أن اتفاق أوسلو وما سبقته من تنازلات سياسية وعسكرية كان كارثة كبرى منحت إسرائيل شرعية البقاء على الأرض الفلسطينية بغطاء أممي، وتعتبر حماس أن أوسلو وصمة عار يجب أن تُزال بالمقاومة وبالوسائل المتاحة كافة.

الظروف السياسية الحالية في فلسطين وكذلك سياسات الدول العربية تجاهها تشابه تلك التي استبقت اندلاع انتفاضة الحجارة حين غاب الملف الفلسطيني عن طاولة القمة العربية الطارئة في العاصمة الأردنية يوم الثامن من نوفمبر تشرين الثاني 1987 لصالح الحرب العراقية – الإيرانية.

فالحرب الأخيرة التي انطلقت مع هجوم حماس على مستوطنات غلاف غزة في العملية التي أسمتها طوفان الأقصى، والتي اعتبرها مراقبون انتفاضة ثالثة، جاءت في وقت تحاول بعض الدول العربية إبرام اتفاقيات سلام مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وقد حملت العملية رسائل إلى الأطراف العربية بأن القضية الفلسطينية لا تزال قادرة على التعبير عن نفسها وأن الشعب الفلسطيني هو من يقرر مصيره.

الانتفاضات الفلسطينية وعملياتها ضد إسرائيل جميعها جاءت بالتزامن مع محاولات جعل القضية الفلسطينية على هامش السياسية العربية والدولية وكذلك سعي بعض الدول العربية لتصفية القضية الفلسطينية خدمة لمصالحها في المنطقة عبر اتفاقات التطبيع المعروفة باتفاقات إبراهام.

يوم الثامن من ديسمبر/كانون الأول لعام 1987 كان بمثابة نقطة تحول في مسار القضية الفلسطينية نظراً لما تركه من تأثير على الرأي العام وإعادته القضية إلى واجهة الاهتمام الدولي بعد أن اقتربت أو كادت إسرائيل أن تقضي عليها، من خلال تكثيف بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية وتشديد الإجراءات المتمثلة بالقتل والاعتقال والتعذيب ضد الفلسطينيين، مستغلة غياب ردود فعل عربية ودولية والتعاطف تجاه الفلسطينيين.

لكن ذلك وإن وجد لن يجلب السلام الذي تطمح إليه شعوب المنطقة، ولن ينصف الفلسطينيين في قضيتهم، ما لم يتوصلوا مع الإسرائيليين إلى حل جذري ينهي المسببات التاريخية للصراع، ويرتكز إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لمبادرة السلام العربية، والقرارات الأممية ذات الصلة.

قد يعجبك ايضا