بين الخط 23 والخط 29 سيادة لبنان على المحك

ضاقتِ الأرضُ بما رحبت على اللبنانيين، وكانت شحيحة معهم على عكس جيرانهم، في الحصول على ثرواتها الطبيعية، لكنهم استبشروا خيراً بعد تقديرات لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في العام 2010 باحتمال وجود كميات كبيرة من النفط والغاز القابلة للاستخراج.

الحلم الوردي بتصدير الطاقة أو الاكتفاء الذاتي منها كما تصور اللبنانيون، اصطدم بحقيقة الواقع المعاش على الأرض، فالبلاد المثقلة بإرث طائفي مقيت، معجون بحرب داخلية دامت قرابة خمسة عشر عاماً، استمر عبئها إلى وقتنا الحاضر، حاضرٌ في مخيلة اللبنانيين كشبح يطل برأسه مع كل خلاف سياسي بين زعماء الأحزاب.

المحاصصة الطائفية والمناكفات السياسية بين الأحزاب “الدينية” ذهبت بالبلاد نحو الهاوية، وأصبحت عرضة للتدخلات الخارجية، وملعباً لتصفية الحسابات بين الدول الإقليمية، وبات ما يراه اللبنانيون حقاً أصيلاً لهم، فريسةً سهلة المنال لبقية الدول وعلى رأسها إسرائيل.

تل أبيب استغلت الواقع اللبناني المترهل، لتبدأ باستكشاف وتطوير حقول الغاز الطبيعي، ضمن ما تعتبره بيروت منطقة اقتصادية خالصة لها في مياه البحر المتوسط.

جوهر الخلاف اللبناني الإسرائيلي في مياه المتوسط يتمثل في مساحة تقدر بثمانمئة وخمسين كيلومتراً مربع، والتي توجد في المناطق 8 و9 و10 التي رسّمتها بيروت، وعدتها ضمن منطقتها الاقتصادية في البحر، فيما تدعي تل أبيب بأن لها حقوقاً تصفها بالمشروعة في هذه المساحة، خاصة وأنها غنية بالموارد الطبيعية وبكميات كبيرة من الغاز والنفط.

قضية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عادت إلى الواجهة مجدداً مع دخول سفينة تابعة لشركة “إنرجيان باور”، مطلع الشهر الجاري للتنقيب عن الغاز في حقل “كاريش” لمصلحة تل أبيب.

إثر الحدث، ثارت ثائرة لبنان الدبلوماسية عبر وسائل الإعلام، واصفاً التصرف الإسرائيلي بـ “الاستفزازي”، كما وجه دعوة رسمية لأموس هوكشتاين الوسيط الأمريكي الذي ترعى بلاده مفاوضات غير مباشرة بين بيروت وتل أبيب لترسيم الحدود البحرية للحضور إلى بيروت.

مراقبون صوروا تنقيب إسرائيل في حقل كاريش في الوقت الراهن كشرارة حرب قد تتحول إلى إقليمية بدخول إيران على الخط، لا سيما مع تهديدات حزب الله اللبناني بأنه على استعداد لاستخدام القوة ضد عمليات التنقيب الإسرائيلية عن الغاز في المناطق البحرية الحدودية، في حال إعلان الحكومة أن هذه العمليات تنتهك حقوق لبنان.

تهديدات قابلها توعد إسرائيلي بالرد بقوة وحزم عبر رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي الذي أكد أن جيشه سيتعامل مع ست جبهات قتال على ستة أبعاد وفي مواجهة عدد كبير من التهديدات المتنوعة، مشدداً على أن قوة الهجوم ستكون بشكل لم يحدث من قبل، حسب وصفه.

طيلة المفاوضات غير المباشرة التي انطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، والمتعثرة منذ أيار/ مايو الفائت، كان لضبابية الموقف الرسمي اللبناني أثرٌ رجعي على اللبنانيين أنفسهم.

التجاذب اللبناني اللبناني في المفاوضات تمركز حول أن يكون خط ثلاثة وعشرون المقابل لحقل قانا، نقطة انطلاق لترسيم الحدود، أو أن يكون الخط تسعة وعشرون الذي ينطلق من نتوء رأس الناقورة، أساساً للترسيم وقاعدة للتفاوض.

وما بين الخط ثلاثة وعشرين المعترف به من خلال المرسوم رقم 6433، والخط تسعة وعشرين تزداد المساحة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل إلى قرابة ألف وأربعمئة وثلاثين كيلومتراً مربعاً، كما تعالت أصوات نواب “التغيير” التي تطالب بتعديل المرسوم ليشمل الخط تسعة وعشرين، للحفاظ على حقوق لبنان السيادية، وفق تعبيرهم.

الحفاظ على حقوق لبنان في مياه المتوسط يراه مراقبون ورقة التوت التي قد تستر المسؤولين اللبنانيين أمام شعب ضاق ذرعاً بهم، وبالفساد المستشري في الدولة، وربما تكون طوق النجاة الأخير من الانهيار الاقتصادي التاريخي الذي ألم بالبلاد.

فهل يكون المسؤولون اللبنانيون على قدر المسؤولية التي أنيطت بهم، أم أنهم سيتجاهلون معاناة اللبنانيين، ويكرروا خطأ الملكة الفرنسية ماري انطوانيت قبل انطلاق الثورة الفرنسية بمقولتها الشهيرة “إذا لم يجدوا الخبز، فليأكلوا البسكويت”.

قد يعجبك ايضا
ankara escort çankaya escort