بيت حماس المحترق

تجمدت المفاوضات.. ولم تكتمل دائرتها الأخيرة للوصول إلى هدنة، حيث كان لأزيز الرصاص في أرض المعركة أفضلية عن تفاصيل فارغة على طاولة التفاوض.

وتماما كما تعاني الحكومة الإسرائيلية من تناقضات وتباينات في إدارة مسارات الحرب الدائرة، عاث البيت الحمساوي بالخلافات التي جعلت من إستراتيجيتهم في جولة المفاوضات الأخيرة تتسم بالعبثية في استخلاص معطيات الحرب وواقعها.

خلافات حماس تتصاعد منذ بدء الحرب لتزداد أمام الانسحاب التدريجي القطري من مشهد الوساطة لأجل إحلال دور تركي، مما استدعى معارضة إيرانية ضاغطة على قادة حماس الخارج لإبقاء التوازنات داخل الحركة على حالها، دون زيادة نفوذ منافس لهم ولأجنداتهم في المنطقة، فالموقف الإيراني ذاهب نحو ضبط أدوات محوره لتقييد التصعيد بحدود تخدم مصالحه مع الولايات المتحدة، دون أن يخسر اصطفاف حماس داخل محوره لصالح تركيا الطامعة بدور أكبر تعبر به مجددا نحو مشروعها في منطقة الشرق الأوسط.

بالعودة إلى اندفاع حماس المفاجئ للورقة المصرية الخاصة بالهدنة في القطاع، خاصة بعد سلسلة المشاورات القطرية والتركية، حيث أُسِرَّ للحركة عن وجود ضغط أميركي مقابل على الحكومة الإسرائيلية لوقف احتياج رفح والقبول بصفقة تبادل.

إعلان قبول قيادات حماس في الخارج بعد الضمان الأميركي بالالتزام الإسرائيلي بتنفيذ اتفاق الهدنة، قابله غضب من قبل يحيى السنوار وتياره في غزة، الذي أصر على تصدر المشهد التفاوضي بحيث يخرج القرار بشأن الهدنة من قطاع غزة، وأن يذاع الأمر بالإعلام مرارا، بأن الحركة والوسطاء ينتظرون قرارا من السنوار، فورقة الأسرى الإسرائيليين جعلت قيادات حماس الخارج ترضخ لإملاءات السنوار وتياره.

جزئية أخرى أثارت الخلاف بين السنوار وحماس الخارج، تمثلت في مطلب إنهاء الحرب الذي يصر عليه السنوار وتياره، إلى التنازل الذي قدمته حماس الخارج بقبول وقف مستدام لإطلاق النار، والذي قد يتيح عودة إسرائيلية للقتال. فجلبت حماس الخارج، الجبهة الشعبية، لتتصدر مشهد التنازل في المفاوضات أمام الشارع العربي، وللهروب من ضغط السنوار في قطاع غزة، الرافض لأي صيغ تحمل مواربة مطاطية في المفردات المطروحة ما بين إنهاء الحرب ووقفها المستدام.

ما سبق.. يعيدنا إلى حرب عام 2014، عندما خرج المدعو أبوعبيدة الناطق باسم جناحهم المسلح ليهاجم وفد حماس المفاوض، ويحمله مسؤولية التفريط في مطالب الحركة، حيث أطلق في بيان متلفز آنذاك وصف “رقصة العفاريت” على ما يقوم به وفد الحركة، وطالبه بالانسحاب، في سابقة لم تشهدها الحركات والفصائل الثورية عبر التاريخ، بأن تخضع القيادة السياسية لمطالب وأوامر القيادة العسكرية، مما استدعى قيادات حماس إلى توجيه انتقادات لناطقها العسكري على لسان عضو مكتبها السياسي غازي حمد.

مجددا، حماس الخارج دفعت بمصالحها عبر إقحام الجبهة الشعبية بالمفاوضات الأخيرة، لإيجاد سلم نزول من على الشجرة التي اعتلتها الحركة في غزة بسبب مطالب لا تراعي حقيقة واقعها المتأزم داخل القطاع وخارجه، خاصة بعد عدة رسائل أميركية وصلت إلى الحركة عبر الوسطاء تفيد بإصرار إسرائيلي على الذهاب نحو العملية العسكرية في رفح، مما دفع الوسطاء إلى الضغط على حماس الخارج لتقديم مزيد من تنازلات، لا تملكها، لحلحلة عقدة المفاوضات.

الخلافات داخل البيت الحمساوي تضع قادة الحركة في تخبط سياسي يسعى لمراعاة شعبية مكتسبة في الشارع العربي دون تأثرها بعمق أزمة الحركة في البحث عن مساحة مناورة تخرجها من تجليات الصراع المستمرة والضاغطة على الحركة والدول الراعية لها، خاصة بعد سلسلة الإخفاقات التي ألمت بها في سير الحرب الدائرة، مما يدلل على حقيقة ثابتة منذ السابع من أكتوبر بعدم امتلاك الحركة إستراتيجية مبنية على رؤية سياسية واضحة مدعومة بأوراق ضغط، أو قوة تلجأ إليها في معركتها السياسية التي باتت تعتمد فقط على استغلال الأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع كسبيل وحيد في وقف الحرب، وهو ما استدعى من الاحتلال وحكومته اليمينية المتطرفة الضرب بكل المساعي لإيجاد هدنة في غزة عرض الحائط، والذهاب بقوة نحو استمرار حرب ستحرق بيت حماس بنيران خلافات قادتها وتياراتها عاجلا أم آجلا.

الكاتب : حميد قرمان

المصدر : العرب

قد يعجبك ايضا