بعد عشر سنوات من الخراب ماذا عن سوريا؟

بعد أيام تكمل سوريا عشريتها السوداء الأولى، فكيف تبدو صورتها في السنوات المقبلة؟

لا يصلح مستقبل ذلك البلد المنكوب مسرحا لأي نوع من التكهنات. لا لأنه واضح بشكل لا يقبل التكهنات بل لأنه غامض إلى درجة أن أي تكهن يكون فيها عبارة عن لهو في الفراغ.

وباستثناء تمسك روسيا بنفوذها الذي صار جزءا من سياستها الخارجية، فإن أي نفوذ لأي دولة أو مشاركة في الملهاة ــ المأساة السورية لا يمكن التعويل عليه حتى لو كانت تلك الدولة هي إيران.

ليس ذكر إيران هنا فيه شيء من المبالغة. فدولة الملالي أقامت دولتها الصغيرة على أطراف دمشق وبالضبط في حي السيدة زينب. تلك دولة ينبغي عدم الاستهانة بها لما تملك من غطاء قانوني بعد أن وهب النظام السوري، رأسه بالتحديد، الإيرانيين الكثير من الحقوق التي لم يعد سوريون كثر يملكونها بما فيها حق المواطنة الذي أتاح لهم إمكانية تملّك العقارات والأراضي.

لم أخرج عن الموضوع فالوجود الإيراني يقع في صلب مستقبل المسألة السورية. فإيران موجودة على الأراضي السورية ليس من خلال مواطنيها الذين يتكاثرون ويبدأون بالسيطرة على الاقتصاد شيئا فشيئا بل من خلال حزب الله الممثل الرسمي على الأراضي السورية والميليشيات العراقية والأفغانية والمتعددة الجنسيات.

تلك واحدة من المشكلات التي ستواجهها روسيا. ولكنها مشكلة صغيرة مقارنة بالمشكلات الأخرى. ولكن ألم تعد سوريا أو ما يحدث فيها مشكلة للسوريين بغض النظر عن موقفهم من النظام؟

ذلك وصف على قدر عالٍ من القسوة غير أنه يتطابق مع الواقع.

ففي كل المؤتمرات التي تتعلّق بمستقبل سوريا كان حضور السوريين هامشيا ولم تعد الدول التي ساهمت في تدمير سوريا وتشريد سكانها وتجويعهم معنية بسماع أصوات المشرّدين والهالكين. أما صاحب الشأن المقيم في دمشق فإنه قد ازداد ثقة بنفسه بالرغم من أنه لا يملك حتى صلاحية الاستشارة في ما يتعلق بشؤون بلاده التي ازدادت سوءا بعد انهيار سعر صرف الليرة السورية وصار الشعب يتوقع حدوث مجاعة في وقت قريب. لا يضفي عليها الحديث غير الواضح عن إعادة الأعمار إلا المزيد من اليأس.

كان الحصار الأميركي مفاجئا لنظام لا يزال يثق بنفسه بالرغم من أنه يقع تحت الحماية الروسية. وروسيا لم تحرّك ساكنا في ما يمكن أن يشكّل مؤشرا على الإنقاذ. لقد انهارت الليرة السورية ما إن أعلنت الولايات المتحدة عن حصارها القائم على ما سمّي بـ”قانون قيصر” وهو مجرد ذريعة.

وهكذا فقد انقسم الشعب السوري إلى ثلاثة أقسام. قسم مهدد بالمجاعة بسبب الانهيار الاقتصادي بالرغم من أن كل المعطيات الواقعية تقول إن سوريا لا يمكن أن تجوع، وقسم ثان لاجئ ويخطط لمشاريع غربته الطويلة حيث أبدع السوريون باختراع مختلف الوسائل لضمان حياتهم المستقبلية في بلدان اللجوء، وما بين القسمين هناك قسم ثالث لا يزال نازحا ومشرّدا ومقيما في العراء وليس له أي نوع من الأمل في استعادة شيء من حياته.

ليس من المؤكد أنه سيكون للولايات المتحدة حضور واسع في سوريا بسبب طريقة تعامل إدارة الرئيس جو بايدن الباردة مع الأزمة السورية غير أنها لن تخسر مواقعها. ستكون موجودة حتى لو كان حضورها رمزيا. أما تركيا فستظل متمسكة بعذرها القديم الجديد وهو حزب العمال الكردي. ولكن إلى متى؟ ذلك سؤال يشغل روسيا وهي المسؤولة عن كل شيء.

ولكننا لم نصل حتى الآن إلى صورة سوريا في المستقبل؟

تلك صورة قد لا ترى النور في وقت قريب. فالحاجة إليها هي من بُناة أفكاري وهي ليست سوى جواب على سؤال تقليدي يؤرق الكثيرين. فسوريا لا تملك شيئا من نفسها. إنها ملك الآخرين. ليس الآن فحسب بل وفي المستقبل أيضا. وليس في ظل حكم الرئيس بشار الأسد فحسب بل وأيضا في ظل حكم أي نظام بديل، بغض النظر عن مستوى ونوع ولائه لهذه الجهة أو تلك.

ما شهدته سوريا من أهوال عبر تلك العشرية الأولى من خرابها لن يسمح باستعادة سيادتها وإن كانت الحاجة إلى الجماعات الإرهابية التي فتكت بها وعبثت بأقدارها قد زالت.

سوريا التي كانت قد ذهبت إلى مكان خفي ولن تعود.

أما الصورة التي ستظهر من خلالها، فإنها ستظل ناقصة ومثلومة ومشوّشة

الكاتب: فاروق يوسف

المصدر: العرب

قد يعجبك ايضا