انهيار نظام العدالة في تركيا، ماذا يعني؟

تسمع عن حبسِ شخصٍ ما بالسجن مدى الحياة، من دون إمكان تخفيض العقوبة، وسرعان ما يراودك الاعتقاد أنه ارتكب جريمة قتل لعدة أشخاص.

ولكنْ، أن يُحبس ناشطٌ سياسي، ومليونير أعمال خيرية، بعقوبة بهذا الحجم، فلسوف تُدرك أن هناك شيئا ما خطأ في النظام القضائي الذي حكم عليه.

فإذا علمت أنه بقي محبوسا لأربع سنوات ونصف سنة من دون محاكمة، وأن محكمة برّأته من تهمة التجسس، وأنه قبل أن يصل إلى بيته حوكم من جديد، بتهم إضافية تم اختراعها له في اللحظة الأخيرة، فلن تفلت من الاعتقاد بأن النظام القضائي نفسه فاسد، وأن المؤسسة السياسية التي تسيطر عليه هي مؤسسة طغيان، وأنها تحكم بدوافع الكراهية وليس بدوافع الأدلة، وأنها لا تقيم وزنا للقانون ولا لمعايير العدالة، ولا استقلال القضاء، وأنها يمكن أن تفعل أي شيء تجاه أي إنسان إذا توجست منه خطرا أو قولا لا ترضاه.

اُتهم عثمان كافالا بالسعي لتدبير انقلاب، لأنه شارك في احتجاجات ساحة جيزي في إسطنبول ضد فساد نظام الرئيس رجب طيب أردوغان في العام 2013.

محاولة الانقلاب الحقيقية جرت بعد ثلاثة أعوام. واتهم كافالا بالاشتراك بها أيضا. ومن إرجاء للمحاكمة إلى آخر، بقي الرجل في حبسه. وعندما جرت المحكمة، فإن القضاة لم يسألوه أين كان ليلة الانقلاب. لأن التهمة التي قامت على أساس الاشتباه، ما كانت تحتاج إلى أي دليل من وجهة نظر القضاة. فالرجل معارض، وهذا يكفي لأن يكون مشاركا في كل الانقلابات التي حصلت والتي لم تحصل بعد.

هذا الشيء لم يحدث لعثمان كافالا وحده. لقد حدث لمئات الآلاف من الأتراك الذين حوكموا وأدينوا على أساس الشبهات منذ تلك المحاولة الفاشلة التي نظمتها مجموعة عسكرية في العام 2016 ضد ما اعتبرت أنه نظام تسلط يقوده أردوغان.

لم تكن هذه المجموعة في حاجة إلى أن تُثبت تصورها عن طبيعة هذا النظام. ولكن الأعمال الهمجية التي شكلت رد فعل النظام على تلك المحاولة قدمت هي بنفسها ما يكفي من الإثباتات عن طبيعته.

يمكن الافتراض مسبقا أن أي محاولة انقلابية، ضد نظام قائم على أساس انتخابات، هي جريمة تستحق الإدانة. ولكن رد الفعل عليها مهم للغاية. لأنه هو ما يقدم الجواب على ما إذا كانت تلك المحاولة جريمة، أم أنها كانت محاولة للتصدي لنظام جريمة.

مئات الآلاف اعتقلوا وفقدوا وظائفهم في كل مؤسسات الدولة. وجرت عملية تطهير شاملة في أجهزة التعليم، والقضاء، والجيش، والإعلام. وتم اعتقال أدباء وشخصيات اجتماعية وصحافيين ونشطاء سياسيين من كل التيارات، بل وتم تجريد نواب في البرلمان من مقاعدهم التي انتخبوا إليها، وتعرضت منظمات وأحزاب إلى الحظر ووضع قادتها في السجون. وظلت القسوة، والأحكام المبالغ بها، هي العنوان الذي يجمع بينها. قسوة بلغت حد الهستيريا العمياء في معظم الأحوال. حتى لتشعر أنها تقتفي أثر الحقد، وليس العدالة.

ميزتان هيمنتا على هذا الأثر في تعامل النظام القضائي التركي مع الذين سيقوا إليه ليصدر أحكامه ضدهم. الأولى، هي أن دافع الحقد كان هو الخوف. والقضاء يفترض ألّا يخاف، لأنه غير معني بخوف السلطة على نفسها، ولأنه مستقل عنها وعن كل اعتباراتها السياسية. والثانية، هي العشوائية والسحق الجماعي. وكان ذلك أمرا مقصودا بحد ذاته، لكي يؤدي إلى كتم الأنفاس. وهو ما وقع فعلا، عندما اضطر المعارضون السياسيون والصحافيون الذين نجوا من العقاب إلى أن يُجروا تعديلات على لغة الانتقادات التي يوجهونها إلى أداء الرئيس أردوغان، لاسيما وأن هناك سيفا مسلطا على رؤوسهم يمكن، بحسب طبيعة القول، أن يُعتبر إهانة للرئيس، وبالتالي جناية تستوجب الحبس، والتجريد من الحقوق.

مع ذلك، فقد ظل الرئيس أردوغان هو أكثر رؤساء العالم تعرضا للإهانات. فالعقوبات القاسية لم توفر الدرع الذي يحميه من الأمثلة الشعبية والتشبيهات والنكات التي تدفع إلى السخرية منه أو تطيح بمكانته.

ما لم يكن بوسع أردوغان أن يلاحظه، هو أن حملته القمعية التي شملت جيوشا جرارة من الناس كانت هي السبب في التراجع الاقتصادي الذي يوقف تركيا الآن على حافة الهاوية.

مرت تركيا بسلسلة من الأزمات الاقتصادية منذ العام 2016. ولم تنفع معها كل محاولاته لوقف التضخم وارتفاع معدلات البطالة والنقص الفادح في العملات الأجنبية، وتراجع الصادرات.

لا توجد صلة مباشرة بين الاقتصاد ونظام العدالة. هذا ما قد يبدو في الظاهر. ولكن المثال في تركيا ساطع إلى درجة تجعل من الصلة قاعدةً صلبة لمعرفة ما إذا كان البلد يمكن أن يحقق تقدما اقتصاديا، أو أنه سائر في طريق الانهيار.

لكي ترى الصلة بوضوح، يقول صاحب “المقدمة”: “الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمال واستقامة الوزراء”. ومن ذلك جاء القول: “العدل أساس الملك”. حتى لتستطيع أن ترى أن غياب العدل، وإحلال الحقد والقسوة محل قيم القانون، يمكنه أن يدفع أقوى الإمبراطوريات إلى الانهيار.

عندما تنهار العدالة، تنهار الحقوق، وتنهار الثقة بقيمة العمل نفسه، وتصبح علاقات الفساد هي “الأداة” الوحيدة لاستمرار أنشطة المؤسسات والشركات.

يحاول أردوغان الآن أن يستجدي الدعم من أينما كان. ولكنه فقد ثقة شعبه، ليس به هو وحده، ولكن بنظامه برمته، وبقدرة الاقتصاد على النجاة ببلادٍ صار قضاؤها يعمل كفرع لجهاز المخابرات، والمخابرات تعمل كفرع للحزب الحاكم، والحزب الحاكم يعمل كخاتم في إصبع الرئيس.

تركيا لن تنجو. إنها سائرة في طريق لا عودة عنه إلى الانهيار، ليس لأن اقتصادها عاجز عن توفير مخرج من أزماته المتكررة، بل لأن نظام العدالة فيها تحول إلى نظام عنف وقسوة، يعمل بمعايير سياسية، وليس بمعايير أو قيم القانون المجردة.

كافالا لن يبقى في السجن مدى الحياة. ولا مئات الآلاف ممن وقعوا ضحية لنظام قضائي غارق بالخوف والقسوة.

الانتخابات المقررة العام المقبل سوف تُسقط هذا النظام، من دون الحاجة إلى انقلاب. فإن لم تفعل، فإن انهيار الاقتصاد سوف يتكفل بتقديم الجواب.

ساعتها، سوف يتعين على القضاة الذين أصدروا الحكم على كافالا وغيره، أن ينقضوا أحكامهم الجائرة، وأن يتسربلوا بالخزي والعار الذي جلبوه لأنفسهم “مدى الحياة، من دون إمكان تخفيض هذه العقوبة”.

الكاتب: علي الصراف

المصدر: العرب 

قد يعجبك ايضا