انقلاب صناديق الاقتراع

قد نتفق مع التحولات السياسية الجارية في المغرب وقد نختلف. لكن الأكيد أن الانتخابات التي أجريت يوم 8 سبتمبر، تستحق منا أكثر من وقفة، لأنها بالتأكيد تشكل محطة أساسية في البناء الديمقراطي في المغرب (بعثراته، وبأشكال الخلل فيه، وبإحباطاته أحيانا).

كان الكثيرون يتوقعون تراجع حزب العدالة والتنمية (المغربي وليس التركي!) في الانتخابات. وهناك من توقع أن يحتل المرتبة الثانية ومن توقعه في المرتبة الثالثة. بعض المتفائلين اعتبروا أن القاعدة الانتخابية للحزب مازالت قوية وأن احتمال فوزه بالرتبة الأولى مازال واردا.

لكن أكثر المتشائمين لم يتوقعوا هبوط الحزب من المرتبة الأولى ومن رئاسة الحكومة إلى المرتبة… الثامنة؛ بـ 13 مقعدا بدل 125 سنة 2016… علما أن “العدالة والتنمية” كان أول حزب مغربي يتجاوز عتبة المئة مقعد في انتخابات 2011.

انتخابات 2021 شهدت وجود مراقبين من المغرب، إضافة إلى مراقبين دوليين. وخلال الحملة الانتخابية، تم استعمال المال من طرف عدد من المرشحين. كما أن الانتخابات قد تكون عرفت بضع خروق هنا أو هناك.. لكن أحدا لا يستطيع أن يتحدث عن تزوير لصالح طرف بدل الآخر.

المراقبون الدوليون والمغاربة كانوا موجودين لتوثيق العملية برمتها… وبالتالي، فبالتصويت الشعبي وصل الإسلاميون للحكم سنة 2011، لأن عشرات الآلاف من المغاربة كانوا حينها يبحثون عن الجديد في الممارسة السياسية. وبالتصويت أيضا تم إخراجهم من مربع اللعبة، بخسارة مدوية.

إنها حقا تجربة مميزة يعيشها المغرب في انتقال الحكم (أو جزء من الحكم، مادام للملكية دورها الأساسي في التدبير) من الإسلاميين لغيرهم، من دون دبابات ولا انقلابات ولا عنف ولا دم، الإسلاميون يغادرون رئاسة الحكومة في المغرب بصناديق الاقتراع. فقط!

نسبة المشاركة بدورها تستدعي منا وقفة متأنية، إذ بلغت 50.16%، مما يبعدنا كثيرا عن أجواء الـ96% والـ98% خلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات، والتي قد نشهدها حتى اليوم في بعض البلدان.. لكنها اعطي في نفس الوقت مشروعية لنتائجها، في وقت توقع الكثيرون نسبة مشاركة ضئيلة و”عزوفا شعبيا عن المشاركة”، لم يصوت كل المغاربة، لكن النسبة تبقى معقولة جدا لإضفاء شرعية على نتائجها.

كذلك، فنسبة المشاركة في المناطق الجنوبية تراوحت بين 58.30% وبين 66.94%، وهو أيضا رد شعبي لدعاة الانفصال… رد يحسم الكثير من بروباغندا الوهم!

لكن الدرس الأكيد الذي يجب أن نتوقف عنده جميعا، هو ما قاله “ناس الغيوان” ذات زمن: “ما يدوم حال”!

التدبير الحكومي قضية إنجازات وتأثير فعلي على حياة المواطنين، قد تؤثر شعارات الشعبوية والتدين و”قيم الأسرة” و”المجتمع المسلم” لشهور أو لبضع سنوات. لكن التدبير السيء (وقد كان تدبير الحكومتين السابقتين كارثيا في عدد من الملفات) والخضوع لإملاءات البنك الدولي على حساب مصلحة الشعب والارتجال في اتخاذ القرارات، كل هذا قد يتسبب في انقلاب بلغة الديمقراطية: انقلاب صناديق الاقتراع.

هذا دون أن ننسى صبيانيات عدد من مسؤولي الحزب الإسلامي من قصص جنس وتعدد زوجات (في مجتمع لا يتعدى فيه الزواج المتعدد نسبة 0.34%) وسفريات للخارج مع حبيباتهم…. صبيانيات جعلت حتى شعارات التدين والطهرانية تسقط تباعا في أعين المواطنين (إذ لا يمكنك أن تقف ضد الحريات الفردية وأن تدافع عن القيم التقليدية في العلن، وأن تخرقها في السر).

لذلك، وبعد فرحة البعض وشماتة البعض الآخر، لنتذكر أن الاقتراع ليس هدفا في حد ذاته. نتائج الانتخابات يفترض أنها إعلان عن بداية لمرحلة الجديدة.. الحكومة المقبلة، بائتلافاتها الممكنة، هل ستقدم حلولا لمشاكل المغاربة الاقتصادية والاجتماعية؟ ماهي حلولها لقضايا حقوق الإنسان والحريات الفردية؟ هل ستسير على طريق دعم القطاع الخاص في التعليم والصحة، أم أنها ستكون قادرة على ابتكار حلول ناجعة تنقذ هذين القطاعين؟ هل ستكتفي بدعم الاستثمارات في المشاريع الكبرى، أم أنها ستنتبه أيضا لقضايا المواطنة والعيش المشترك؟

هذه أسئلة، ضمن أخرى، ننتظر عنها إجابات واقعية.. ونتمناها إجابات تشكل تحولا فعليا في البناء الديمقراطي والاقتصادي والاجتماعي المغربي. ما عدا ذلك، فسننشد بعد خمس سنوات وراء ناس الغيوان: ما يدوم حال!

الكاتبة: سناء العاجي

المصدر: الحرة

قد يعجبك ايضا