انتخابات تفقّد الموالاة!

“انتخابات مجلس الشعب”هو اسم أطلقه حزب البعث على عدد من العمليّات التضليلية (دعاية – تصويت) جرت قبل يومين في عدد من المناطق التي وصلتها بنادق الجيش والروس، بهدف تقزيم جميع الخطط والبرامج السياسية التي تعمل عليها القوى الدولية والمحلية المعارضة ابتداءً من تغيير الدستور ووصولاً إلى التحضير للانتخابات. لكن حبل الخداع قصير، فبعد يومين فقط من عمليّات التصويت، اتضح، وباعتراف عدد كبير من المشاركين فيها أنها لم تكن سوى تسميات سخيفة وفاضحة لعمليّة إعادة إحياء الموروث التضليلي البعثيّ، ومحاولة للتحكّم عن بعد من قبل دمشق بالفئة الموالية وإعادة التأكيد على وفائها في الغرق مع النظام، وتحدّي آخر للمجتمع الدولي وقراراته.
وبغض النظر عن ذلك، تبتعد التسمية عن النتيجة، فالتسمية “مجلس شعب” والنتيجة انتخابات بدون شعب، لذا، ما يزيد التسمية سخافةً هي النتيجة، فلو كانت التسمية انتخابات “مجلس البعث” لربما كانت النتيجة ملائمة “بالدرجة البرونزية”، وقادرة على التمويه على عمليات مكافئة مؤيديه من البعثيين القدامى على ولائهم للبطش الذي مارسه نظامهم طيلة الأعوام السابقة دون تغيير سلوكه وممارساته والاعتراف بذنبه.
الانتخابات التشريعية في ظلّ الأنظمة الفاسدة هي أقدم المهن السياسية والاجتماعية عديمة الفائدة، وهي، في سوريا وفي هذا التوقيت وفي هذه الظروف هي آخر ما يحتاجه السوريّون، وهي ليست فرصة جيدة للحياة بالنسبة للنظام كما يعتقد هو، أو وسيلة للبحث عن الشرعية التي لم يهتم بها أصلاً وظلّ مستنداً على عكازة القوى الخارجية طيلة حكمه. بل على العكس، هي مناسبة لإعادة تفقّد الشعب الذي لا يكتمل النصاب القانوني لإجراء أيّ انتخابات بدونه. فثلاثة ملايين مهجّر إلى تركيا، وأربعة ملايين خارج سيطرة دمشق في ادلب وشمال غرب سوريا، وخمسة ملايين على الأقل في مناطق شمال شرق سوريا التي رفضت ادارتها الذاتية إجراء الانتخابات في مناطقها ووصفتها ب “عديمة الفائدة”، ونحو مليوني مهجّر في لبنان والأردن والدول الأوروبية، وشريحة واسعة معارضة في مناطق سيطرة النظام نفسها، وفئة أخرى ضلّت الطريق إلى الشبع ولا يهمها أن تضع صوتها في كرش الفاسدين المدعومين، ناهيك عن خمس محافظات سوريّة تلوثها نعال الجنود الأتراك ومرتزقتهم. فبأي شرعٍ أو قانون يحاول النظام ومؤيديه أن يُتخمنا بأهدافه في ملعبٍ فرّ منه مع أوّل رصاصة!.
النظام لا يريد تغيير نفسه ولا يريد أن يتغيّر فئته المؤيدة المطيعة والمجبولة على العبودية لرجل أمن رتبته عريف، لا يريد تغيير أيّ شيء، لا نظرياته ولا سلوكه، فقط يريد أن يحيا كما هو، عاري من دون خجل، يميّع كل شيء في سوريا من أجل أن يبقى هو صلباً؛ التاريخ، الإنسان، الجغرافية، الفكر، السياسة وكلّ شيء، مطلوب من الناس أن يتوقفوا عن تحصيل الوعي والعودة بالمقلوب إلى ما قبل 2011، يريد مننا أن نطين حوائط عقلنا بتنظيراته الأيديولوجية والسياسية العقيمة، ونعلك الهواء ونعوّي بشعاراته بينما هو ينفرد بالوليمة مع داعميه ومموليه.
ولكن، ما غاب عنه، وعن داعميه أن السوريون ليسوا بحاجة إلى التسلّي بمسرحيات كتلك، فهم شبعوا من الحلم بما يكفي، وليسوا بحاجة إلى أن يتلطّف بهم أجهزة الأمن بمنحهم حقّ التصويت بعدما حطّموا الجدران وتسلّقوا أسوار خوفهم. كلّ ما في الأمر أنهم بحاجة إلى الحرية التي لن تحدث بوجود ذهنية البعث المتربّعة في دمشق وفي هوامش المحافظات السوريّة الأخرى، وبدل حقّ التصويت، هم بحاجة إلى حقّ الحياة أولاً.
لذا، وضع عدّة صناديق في عدد من المحافظات لا يعني أن النظام سيتمكّن من انتاج نفسه بأصوات بعض المؤيدين المستفيدين أو المغلوبين على أمرهم من الموظّفين والطلبة والعسكريين، كلّ ما هنالك أن الحدث النهائي تأخر بعض الشيء.
صرخة القذافي الأخيرة “أيها الجرذان، من أنتم؟” لا بدّ أن تذكّر النظام يوماً ما بما آل إليه مصير القذافي قبل أن يعيش نشوة الانتصار الوهمي بإجراء الانتخابات ويعيد على مسامعنا كلمة علي صالح “فاتكم القطار”، فنحن لم نركض وراء القطار لطالما كانت السكّة تؤدي إلى هلاك الجميع بما فيهم النظام نفسه.

الكاتب: فرهاد شامي

المصدر: قناة اليوم 

قد يعجبك ايضا