اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع (ملف خاص)

الاعتداء الجنسي.. الاستعباد الجنسي.. الإكراه على البِغاء.. وتشويه الأعضاء التناسلية، وغيرها من الانتهاكات، التي تحمل طابعاً جنسياً، تُفرَض على الضحايا بالإكراه، وتترتب عليها آثارٌ نفسيةٌ وجسديةٌ واجتماعية، تقلب حياة الضحايا رأساً على عقب، انتهاكاتٌ تُدرَج ضمن مصطلح العنف الجنسي الذي يمارسه الجُناة، إن صحَّ التعبير، باستغلال الظروف التي تضع الضحيةَ في حالة ضعف، فلا تقوى على تحصين نفسها.

قد تعجز الضحيةُ عن الإفصاح عن الجريمة المُرتكبة بحقها، لغياب الإطار القانوني المَعني بهذه الجرائم، أو لغياب المؤسسات المدنية التي تدعم الضحايا في هذه الحالات، نفسياً ومعنوياً ومادياً، حتى تتمكنَ من رفع دعوةٍ قضائية، لكن العوائقَ قد تبدأ قبل هذه المرحلة بكثير..

الخلفية الاجتماعية للضحية، قد تمنعها في كثيرٍ من الأحيان عن الإقدام على هذه الخطوة، رغم أنها أكثرُ ما قد يؤذي كرامتها الإنسانية، وذلك بسبب ما تسمى مسائلَ الشرف والخزي والعار، التي تجلب على الضحية مزيداً من الأثر السلبي، الذي قد ينتهي بها بالقتل أو الانتحار أو الحمل القسري.

واحدةٌ من أكثر الظروف التي تهيئ لهذه التجاوزات هي الحروب، حيث يغيب صوت القانون ويرتفع صوت العنف والسلاح، فتصبح الدوافع اللاإنسانية للإقدام على هذا الجرم كثيرةً لتطال النساء والرجال والأطفال.

غالباً، النساء لعدم تمكينهن حقوقياً، خصوصاً منهن النازحات واللواتي فقدن أزواجهن ومعيلات الأسر والمُحتجزات، والأطفال لأعمارهم الصغيرة ومداركهم البسيطة وظروفهم السيئة، والرجال لأسبابٍ متعلقةٍ بالأسر، وغيرها من حالات العجز عن الدفاع، قد يقعون ضحايا للعنف الجنسي خلال النزاعات العسكرية، هذا عدا عن دوافعَ متعلقةٍ بالعنصرية حيال العِرق والمذهب، تُعرِّض الضحايا بكافة فئاتها لخطر الاعتداء الجنسي خلال النزاعات.

العنف الجنسي خلال النزاعات العسكرية الراهنة

ارتفعت نسبة انتهاكات العنف الجنسي المُرتبط بالنزاع العسكري، خلال عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين إلى خمسين في المئة، مقارنةً بالعام الذي سبقه، بحسب ما أكدته الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للعنف الجنسي، أثناء الصراعات، براميلا باتن.

استهداف المدنيين بالاعتداء الجنسي والاعتداء الجنسي الجماعي، والاختطاف، المترافقة جميعها مع مستوياتٍ قياسيةٍ من التشريد الداخلي، وعبر الحدود، تسبب بها حاملو السلاح من الجيوش النظامية والميليشيات غير النظامية، على حد قول الممثلة الأممية، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي لاستعراض التقرير السنوي الخامس عشر، بتاريخ الثالث والعشرين من شهر نيسان إبريل الفائت.

التقرير الأممي رصد ثلاثة آلافٍ وستمئةٍ وثمانٍ وثمانين حالةً موثقةً لديهم، عن العنف الجنسي المتصل بالنزاع العسكري، شكّلت فيها النساءُ نسبة خمسةٍ وتسعين في المئة، مقارنةً بخمسةٍ في المئة بالنسبة للرجال، في حين كانت نسبةُ الأطفال اثنتين وثلاثين في المئة، من إجمالي تلك الحالات.

الصراع العسكري الإسرائيلي الفلسطيني، جاء ضمن الصراعات التي غطّاها التقرير، حيث أكدت المُمثلة الأممية على وجود ضحايا عنفٍ جنسيٍّ من الطرفين، مشيرةً إلى تلقيها ادعاءاتٍ في غزة، بعد وقتٍ قصيرٍ من بدء الهجوم البري الإسرائيلي، ما دفعها إلى تقديم توصيةٍ بضرورة وقف إطلاق النار في غزة، لكبح المعاناة الإنسانية التي اعتبرتها مَهوُلةً.

في ليبيا، أرجعت براميلا باتن ارتكاب جرائم العنف الجنسي، المتصل بالنزاع، في ظل إفلات الجُناة من العقاب، إلى الاشتباكات المتفرقة التي شهدتها البلاد خلال عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين، بين الجماعات المسلحة وسط الانتشار غير المشروع للسلاح، وانقسام الجهات الفاعلة السياسية، المتسببَ بقصور الحوكمة وإغراق البلاد بحالة فلتانٍ أمني.

وبالنسبة إلى اليمن فإن انهيار سيادة القانون، وتفاقم الأزمة الإنسانية عبر مراحل أحداث الحرب اليمنية، ساهما في نشوء بيئةٍ تتعرض فيها النساء والفتيات للعنف الجنسي المُتصل بالنزاع، حسب ما جاء في التقرير.

في العراق تحققت وفودُ الأمم المتحدة إلى البلاد، من وجود جرائم عنفٍ جنسيٍّ عديدة، تعرضت له بشكلٍ عنيفٍ ووحشي، النساءُ الإيزيديات على يد تنظيم داعش الإرهابي في عام ألفين وأربعة عشر.

وبحسب التقرير الأممي، فإن المصاعب الاقتصادية في سوريا، أدت لتعريض النساء والفتيات إلى مستوياتٍ عاليةٍ من مخاطر العنف الجنسي، لاسيما في أماكن النزوح والاحتجاز.

وبالنسبة إلى سوريا تحديداً، فإن ما وثّقته وتوثّقه بشكلٍ مستمرٍ المنظماتُ الحقوقية المحلية، في تقاريرها عن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء، في المناطق المحتلة من قبل النظام التركي والفصائل الإرهابية التابعة له، والتي تختلف فيها مظاهر العنف، لا تلقى آذاناً صاغيةً من المجتمع الدولي، على الرغم من كونه عنفاً تمييزياً جلياً يطال النساء من كافة الأعمار.

هذا ولم يسلم الرجال والأطفال من هذه الظاهرة، التي تفاقمت في المناطق المحتلة من قبل تركيا وفصائلها الإرهابية، ومناطق سيطرة الحكومة، حسب ما وثقت تقاريرُ إعلامية.

أما السودان ومنذ اندلاع النزاع الأخير فيه، تتالت التقاريرُ الأممية عن العنف الجنسي الذي تتعرض له النساء، خاصةً منهن اللاجئات والنازحات، ما دفع بالأمم المتحدة إلى الإعراب عن صدمتها بتفاقم هذه الظاهرة، وإعلانها الحاجةَ إﻟﻰ ﺗوﺳﯾﻊ ﻧطﺎق ﺧدﻣﺎت اﻟوﻗﺎﯾﺔ ﻣن اﻟﻌﻧف الجنسي، واﻻﺳﺗﺟﺎﺑﺔ له ﺑﺷﻛلٍ ﺳرﯾﻊٍ ﻓﻲ اﻟﺳودان واﻷﻗطﺎر اﻟﻣﺟﺎورة، اﻟﺗﻲ ھرب إليها اﻟﻔﺎرّون ﻣن اﻟﻌﻧف.

فوفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، كانت أكثرُ من ثلاثة ﻣﻼﯾﯾن اﻣرأةٍ وﻓﺗﺎةٍ ﻓﻲ اﻟﺳودان، ﻋرﺿﺔً ﻟﺧطر اﻟﻌﻧف اﻟﻘﺎﺋم ﻋﻠﻰ اﻟﻧوع اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ، فيما ارتفعت هذه التقديرات إلى نحو أربعة ملايين ومئتي ألف، بعد مُضي حوالي شهرين فقط، من اندلاع النزاع في السودان، بتاريخ الخامس عشر من أبريل نيسان من عام ألفين وثلاثةٍ وعشرين.

ووضعت الأمم المتحدة العامَ الماضي ميزانيةً قُدّرت بما يقارب ثلاثةً وستين مليونَ دولار، لتفعيل خطة اﻻﺳﺗﺟﺎﺑﺔ اﻹﻗﻠﯾﻣﯾﺔ اﻟﺗﻛﻣﯾﻠﯾﺔ ﻟﻼﺟﺋﯾن السودانيين، بما فيهم ضحايا العنف الجنسي.

مؤتمر قمة عالمي في 2014

التنبه لخطر تداعيات العنف الجنسي في حالات النزاع، دفع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لبدء شحذ الجهود، من أجل التخفيف من الآثار التي تتسبب بها هذه الظاهرة للضحايا، فعقدت مؤتمرَ القمة العالمي بتاريخ العاشر من حزيران يونيو عام ألفين وأربعة عشر، على أمل أن يكون فرصةً استثنائيةً لإنهاء العنف الجنسي، في حالات النزاع.

ومن أجل تحقيق هدفها، جاءت استراتيجية القمة حينها، بالحث على حشد الدعم العالمي للجهود الرامية إلى ضمان إمكانية إزالة جميع العقبات، التي تعترض طريق الوصول إلى العدالة والمساءلة، ولحشد الالتزامات العالمية بهذه الجهود.

وتناولت محاور برنامج الحضور، الذي بلغ عدده حوالي ألفٍ ومئتي شخصية، بمن فيهم رؤساءُ دول، ووزراءُ حكوميون، وخبراءُ في الأمم المتحدة، وشخصياتٌ فاعلةٌ في المجتمع المدني:

ـ تحسين التحقيق في العنف الجنسي في حالات النزاع وتحسين توثيقه.
ـ تقديم المساعدات والتعويضات لضحايا العنف الجنسي.
ـ ضمان الإدماج الكامل لكلٍّ من سُبل مواجهة العنف الجنسي، والعنف القائم على أساس نوع الجنس، وتعزيز المساواة بين الجنسين في جميع جهود السلام والأمن.
ـ تحسين التنسيق الاستراتيجي الدولي.

 

خُصصت أثناء القمة جلسةٌ متعلقةٌ بالتعويضات عن أعمال العنف الجنسي، المرتكبة في حالات النزاع، ودورها في استعادة الإحساس بالكرامة والعدالة، ومعالجة العواقب الوخيمة المترتبة على العنف الجنسي في حياة الضحايا، والمساعدة في تفكيك أنماط التمييز القائم على أساس نوع الجنس.

اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع

انطلاقاً من كونه عقبةً في سبيل بناء السلام، ندد مجلس الأمن الدولي في قراره ألفٍ وثمانمئةٍ وعشرين بتاريخ التاسع عشر من حزيران يونيو ألفين وثمانية، بالعنف الجنسي في حالات النزاع، وعليه أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ألفين وخمسة عشر، اختيار تاريخ قرار مجلس الأمن هذا، بوصفه اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في حالات النزاع، من كل عام.

ويحظر القانون الدولي الإنساني الاغتصابَ وغيرَه من أشكال العنف الجنسي، بموجب قانون المعاهدات، في اتفاقية جنيف الرابعة، وكذلك البروتوكول الإضافي الأول، والبروتوكول الإضافي الثاني، والقانون العرفي المعمول به في كلٍّ من النزاعات المسلحة الدولية، وغير الدولية.

ويُدرج النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الاعتداءَ الجنسي وغيرَه من أشكال العنف الجنسي، في قائمة جرائم الحرب وفي قائمة الأفعال التي تشكّل جرائمَ ضد الإنسانية، متى ارتُكبت في إطار هجومٍ واسعِ النطاق، أو منهجيٍّ مُوجهٍ ضد أية مجموعةٍ من السكان المدنيين.

قد يعجبك ايضا