الولايات المتحدة وصناعة الفشل

هل يُعقل أن الولايات المتحدة، بكل ما لديها من مؤسسات وخبرات ومعارف، لا تعرف كيف تقيم نظاما ناجحا؟

غزت الولايات المتحدة أفغانستان، وغزت من بعدها العراق. ولكنها لم تنجح في إقامة نظام صالح للبقاء. وفي الحالتين معا نجحت فقط في إقامة نظام فساد سياسي وانحطاط قانوني وفشل اقتصادي وتفسخ اجتماعي.

كيف حصل ذلك؟ وهل هذا معقول بالنسبة لدولة تمتلك من مؤسسات البحث والتفكير ما لا تمتلكه دولة أخرى؟ وهل هذا معقول بالنسبة لبلد يحرك جيوشا جرارة وإمكانيات هائلة لكي يفرض بالقوة كل ما يريد؟ ثم، وهل هذا معقول بالنسبة لبلد يستطيع أن ينفق كل ذلك المقدار من المال على مشاريعه “الديمقراطية” ثم تعود لتنهار كقصور الرمال؟ وهل لا تفهم الولايات المتحدة ما هي الأسس المطلوبة لبناء نظام سياسي مستقر؟ وهل لا تعرف مؤسساتها، من الكونغرس، و”أنت نازل”، ما هي المقومات المطلوبة لإقامة نظام “ديمقراطي”؟ وإذا قالت إنها تعرف، فلماذا فعلت كل شيء عكس ما تعرف؟

حتى ولو كانت الديمقراطية ثقافة يتعين أن تكون “ثقافة اجتماعية” قبل أن تكون عملا مؤسساتيا، فهل من المعقول أن تُمضي الولايات المتحدة عشرين عاما وهي تتخبط، فتعجز عن إقامة مؤسسات تحترم نفسها في البلد الذي تغزوه؟

وحتى ولو كانت المجتمعات التي تغزوها الولايات المتحدة مصابة بسبعين علة سياسية أو ثقافية، فهل من المعقول أن تمضي 20 عاما في مكان وأنت لا تعرف كيف تقيم جهازا قضائيا محترما، أو نظاما انتخابيا نزيها؟ أو مؤسسة سياسية لا تمارس أعمال النهب والفساد؟

أم أن هذا كله مقصود؟ أم أن الولايات المتحدة عندما غزت أفغانستان والعراق، أرادت لهما أن يكونا بلدين فاشلين يغرقان حتى أذنيهما بالانحطاط السياسي والانهيار الاقتصادي، حتى ولو أنفقت على هذا “المشروع” التخريبي تريليونات الدولارات “من جيبها” الخاص؟

أم أنها مجرد حماقة مؤسساتية، لبلد يمتلك الخبرات والإمكانيات، ولكن لديه أجهزة تتخبط وتملي مسالكها الفوضوية أينما ذهبت؟

إنه لشيء مُحيّر فعلا، أن تذهب الولايات المتحدة بكل قوتها وأسلحتها وأموالها إلى مكان ولا تعرف كيف تجعل القطارات تسير في مواعيدها. أو كيف تسمح لأعمال الفساد ونهب المال العام أن تكون هي العلاقة بين “الدولة” والمجتمع.

لا أحد يستطيع أن يصدق بأن الولايات المتحدة لا تعرف كيف تقول للسياسيين الذين تعتمد عليهم: كفوا أيديكم عن حقوق الناس، وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة؟ أو كيف تقول لمجلس القضاء، إنك سلطة عليا مستقلة؟ أو أن تقول لأعضاء “هيئة مكافحة الفساد” إن شغلكم هو مكافحة الفساد وليس ممارسته؟

هل يُعقل أن الولايات المتحدة لا تعرف أنها إذا أرادت إدارة بلد، فإن آخر شيء يمكنها أن تعمله هو تخريب طرقه أو تجارته أو بنيته التحتية، وإلا فإنها تجلب لنفسها الكوارث والآلام؟

فلماذا لم تفعل الولايات المتحدة شيئا صحيحا واحدا في أفغانستان ولا في العراق؟

ولماذا دام الفشل عشرين عاما، وثلاث إدارات، جمهورية وديمقراطية، من دون أن يستخلص أحد الطريق الصواب؟ وما نوع الفوضى التي سادت في العقول حتى أصبح من المستحيل على دولة عظمى أن تبني حجرا صحيحا فوق حجر صحيح؟

وهل ينفق المرء 3 تريليونات دولار ثم ينتهي يجر ذيول الخيبة، من دون أن يفهم أنه يعاني من مشكلة في الفهم؟

أم أن هذا كله كان مقصودا، حتى ولو انتهى الأمر بخسارة حياة الآلاف من الجنود الأمريكيين وإصابة عشرات الآلاف بجروح، الكثير منها إعاقات دائمة؟
هل هذا معقول؟ أم أنه كابوس تمارسه الولايات المتحدة على نفسها والآخرين، ولا يمكنها أن تصحو منه؟ ثم تعود لتمارسه وتختلق لفشلها الأعذار؟
أم أن تصورنا عن عظمة الولايات المتحدة وقدراتها الخرافية، هو نفسه تصورٌ غارقٌ بالأوهام؟ أم أنها بلد مُعاق بعلة ما من العلل، ولم تتمكن مؤسساتها البحثية ومختبراتها من تشخيصها حتى الآن؟

ما لا يستطيع المرء قبوله، أو حتى فهمه، هو أن هناك في هذه الولايات المتحدة نفسها، من يجرؤ على تقديم المحاضرات السياسية أو الحقوقية أو الأخلاقية، وكأننا لا نرى ما تفعله هي بنفسها. أم أن هذا مقصود هو الآخر؟

يقول الشاعر: “لا تنه عن خُلقٍ وتأتي مثله – عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ”. والفشل “خُلقٌ” تكرره الولايات المتحدة بإصرار وانتظام. فلماذا؟ وكيف؟ ومن أجل ماذا؟ وما الذي يجبرها على أن تكون على هذه الحال؟

عندما تقوم الولايات المتحدة بغزو بلد آخر، فإن إدارتها والكونغرس والبنتاغون، ستكون بحاجة إلى العودة إلى المدرسة، ليس لتتعلم فنون القصف، وإنما لتتعلم فنون البناء. فهذه أهم بكثير.

واضح، من جهة التجربة والتاريخ والواقع، أن إدارتها والكونغرس والبنتاغون، إما أنها مؤسسات تعاني فقرا معرفيا مروعا، أو أنها تتعمد صناعة الفشل حتى وإن ظل يُلحق بها الهزيمة تلو الأخرى.

وما من عاقل، إلا ولسوف يُدرك أن ما تفعله الولايات المتحدة، بنفسها وبالآخرين، أمر لا عقل فيه ولا منطق ولا معنى، وأن كل ما ظلت تقوله إداراتها الثلاث على مدى عشرين عاما، كان مجرد هذيان.

الكاتب: علي الصراف

المصدر : العين الإخبارية

قد يعجبك ايضا