الهوية التائهة ما بين السقوط والاستسلام

ربما منحتنا الفوضى التي ضربت المنطقة فسحة لا بأس بها من إعادة التفكير بما كنا نؤمن به ونعتقده من المسلمات والبديهيات وحتى أنها كانت من الحقائق التي لا يمكن الجدال والنقاش حولها وعليها. هكذا هي تحركات مجرى التاريخ وكل حراك فيه يحمل معه ايجابياته وسلبياته، وكلٌ يرى ويحلل وفق منظومته الفكرية التي كان يعتقد بها ويؤشر عليها إيجابًا أو سلبًا من النقطة التي يقف فيها. أي وبكلمة أن كل شيء نعتقد أو نؤمن ينبغي أن يكون نسبي ولا يمكن أن يكون مطلقًا، لأن الحياة بحدِ ذاتها متغيرة ولا تعرف الجمود أبدًا. وهذه هي الخصوصية التي جعلت من الحياة مستمرة بكل اختلافاتها وتنوعاتها، بدءًا من أصغر خلية في جسم الانسان وحتى الفضاء الكوني الذي لا نعرف عنه إلا القليل القليل.

بالرجوع لما نعيشه الآن من حالة من التشتت في الأفكار والطروحات وحتى تحليل واستنتاج النتائج، ربما معظم ذلك يعود للبنية الفكرية التي ورثناها من سلفنا المثقفة والنخبوية والمبنية بالأساس على المنطق القوموي الشديد التعصب أو على الرأي المطلق بالأفكار الدينية التي لا تقبل الآخر.

هويتين كنا نحملهما أينما حللنا ونفتخر بهما بصوتٍ عالٍ وكأنها الحقيقة وهي أنَّ منطقتنا تحمل هوية جامعة من هويتين وهي القومية والدين، والتي تم حيسهما في قفص ذهبي مرصع بالماس أو هو الدولة القوموية. لكنها الفوضى التي ظهرت علينا جراء ما تم تسميته بالربيع العربي، ليسقط القناع وتظهر بعض من حقائق لم نكن نسمع عنها أو نهمشها تحت مسميات وحجج كثيرة، من قبيل “ليس وقت هذا الكلام، نواجه مؤامرة كونية، تحرير الأرض، لنضحي بالأقلية على حساب الأكثرية، الممانعة، كل شيء في سبيل القضية…. الخ”.

فوضى نتكلم عن سلبياتها أكثر مما تحمل بيت جنباتها ولو قليلًا من الإيجابيات والتي يمكن البناء عليها للتخلص وتجاوز السلبيات العالقة عليها. صراع أفكار وهويات ما بين هو السائد والآخر الذي يسعى لإثبات وجوده وكينونته وماهيته في خضم هذا الصراع. صراع لم يكن بالجديد علينا وكنا نعيشه بكل أشكاله العلنية والمخفية وما بين الوطنية والعمالة. وتحديد أين تكون أنت لم يكن على حساب الوطن والمواطن، بقدر ما كان وفق مشيئة الحاكم والزعيم الملهم والخالد والذي من دونه لما كما أحياء وموجودين. وننظر إليه على أنه هبة الله لنا وكأنه ليس ببشر جاء ليخدم المواطن ويحافظ على كرامته في وطن يكون فيه الجميع مواطنون وليسوا رعاع وخدم وكبش فداء لأهوائه ونزواته، إن كانت قوموية أو دينوية.

ربما تألم الكثير من مشاهد سقوط بعض من دولنا في المنطقة والتي لم نكن يمًا ما نتوقع ذلك وبهذه السرعة أن تكون حلبة لصراع القوى الإقليمية والدولية عليها من دون شعبها. ولكن من الجهة الأخرى يمكننا القوى إنها الحالة الطبيعية التي نعيشها لأننا لم نكن نعيش في دولة المواطنة والوطن والتي يكون فيها الانسان هو الغاية والهدف، بل نعيش في دولة قبائلية معاصرة متصارعة على المراعي والنفوذ بمعلولات دينية وقومية.

البحث عن الهويات الجامعة في هذه الفوضى يمكن اعتباره من أنبل الأعمال التي يمكن القيام بها، على الأقل لحفظ ما تبقى من مجتمعات تبحث عن هويتها وكرامتها. سقوط الدول ليس بمشكلة كبيرة ولكن الاستسلام هو الأمر الخطير الذي لا يمكن القبول به بأي شكل كان. العقلية التي كانت تتحكم بمصير الشعوب والدول منذ أكثر من سبعون أو ثمانون عامًا هي التي سقطت والتي لم تتقبلها المجتمعات والشعوب يومًا ما. لأن الشعوب دائما ما تبحث عن الاستقرار والكرامة والعيش بحرية ما بين كافة ثقافات المنطقة وشعوبها. ولكن اختزال كل المجتمعات والثقافات والشعوب في شعب واحد وثقافة واحدة ودين واحد وقوموية واحدة، هو ما أدى لما نعيشه في فوضى عارمة الآن. وبكل تأكيد للعامل الخارجي والتدخلات لها نصيب وافر في ذلك، والتي بالأساس تعتمد على سياسة “فرق تسد”.

ربما يكون السقوط هو بداية النهوض مجددًا بأكثر قوة إن استفدنا من الأخطاء التي أدت له. لكن الاستسلام ما بعد السقوط هي الكارثة التي لا يمكن القبول بها مهما كانت الأسباب والحجج. وهنا يمكننا القول إنه ربما سقط النظام المصري فيما حدث مع بدايات الربيع العربي، لكن بكل تأكيد أيضًا لم تستسلم الدولة ولا الشعب المصري، بل قام ليعيد بناء الذات وصقل الهوية من جديد. وهنا كانت قوة مصر وما تنتهجه من مشروع لبناء المستقبل. بناء المستقبل اعتمادًا على استخلاص الدروس من أخطاء الماضي وليس انكارها، بل قبولها ونقدها علانية وليس خلف أو تحت الطاولات. لهذا يمكننا القول أن ما تعيشه مصر الآن هو نهوض ما بعد السقوط وإن كانت تعترضها عثرات هنا أو أخطاء هناك، لكن تبقى مسيرة النهوض مستمرة.

لكن نفس الأمر لا يمكننا قوله على ما حديث ويحدث في العراق وسوريا وغيرها من دول المنطقة. إذ، توصيف الحالة السورية لا يمكن القول فيه إلا السقوط المدوي وإن استمر بالعقلية البعثية السلفية، بكل تأكيد سيكون الاستسلام لما قبل الأزمة السورية والرجوع للماضي وبالنهاية الاستسلام وبالتالي ليس فقط ما ستعيشه سوريا السقوط، بل ربما نرى الفشل التام والمدوي والتشتت والتقسيم إن كان بفعل داخلي أو ضغط خارجي. حتى الآن لا في سوريا وكذلك في العراق لم يدرسوا تاريخهم الحضاري جيدًا ولا زالوا معتقدين أنهم الاصحاب الحقيقيون من غير منازع على تسلم السلطة وذلك لاعتبارات دينية أو قوموية. ولكن بهذا المعنى ليس لديهم أية اعتبارات وطنية جامعة تمنح الانسان هويته الحقيقة بعيدًا عن الشعارات التي كانت الفوضى من نتائجها بكل تأكيد.

ما بين السقوط والاستسلام سيف ديموقليدس أو شعرة معاوية كما نقولها نحن في مشرقنا. السقوط حالة ديالكتيكية في التاريخ والتطور المجتمعي والإنساني. وناتج عن سوء في التقديرات وبالاستفادة من هذه الأخطاء يمكن النهوض ثانية أكثر قوة من الأول. بينما الاستسلام للعقلية المتجمدة التي لا تقبل التغيير كما الأنظمة الشمولية التي تصر على أنها هي فقط من تمتلك الحقيقة وتتهم الآخر بالعمالة للشيطان الذي تم صنعه من قبلها، أو الاستسلام للخارج والتحول لبنادق مأجورة لتحارب وطنها وشعبها على أساس أنها من المعارضة الوطنية، كما الحالة في المعارضة السورية والعراقية.

هذا هو الفرث ما بين البحث عن الهوية الحقيقية للمجتمعات والشعوب والنهوض بها مجددًا وتحويل الوطن إلى بيت يكون فيه الجميع نوعًا ما يشعرون بهويتهم الجامعة، أو الاستسلام للبنى الفكرية الشوفينية والغربية ليتحول الوطن إلى مزرعة للعائلة الحاكمة أو قوى الهيمنة الغربي أو الشرقية.

الكاتب: محمد رسلان

المصدر: صدى البلد

قد يعجبك ايضا