المهاجرون.. شمس غاربة في مطاوي النسيان

في 18 كانون الأول/ ديسمبر من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي للمهاجرين، الذي يُعدّ يوماً للتضامن مع العمال المهاجرين أو العمال “الوافدين المؤقتين” كما يُطلَق عليهم في العالم العربي، ففي هذا اليوم من عام 1990، أقرَّت الأمم المتحدة الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، نظراً لما يواجهه هؤلاء من عقبات وتحديات.

ولما كان قرار الهجرة في يد من يتخذه، فغالباً ما تُمليه ضرورة الهروب من العنف الفظيع الذي ينجم عن النزاعات المسلحة. وقد تكون أسباب الهروب أقل حدة مثل تفشي الجريمة مثلاً أو القمع العنيف وغير المتناسب للتحركات الشعبية أو اضطهاد بعض المجموعات لأسباب سياسية أو إثنية، وكلها أسباب تدفع الناس إلى السعي لبناء حياتهم في مكان آخر.

ومهما بلغت التحديات من مخاطر ومهما تلبدت غيوم اليأس في سماء الحياة، فإن الإنسان يظل متشبثًا بالحياة حالماً بأن يعثر على ركنٍ مضيء يستبشر فيه بصيص أملٍ يَلج من خلاله إلى حياةٍ أفضل، ويطوي به تراكمات سوداوية خلفتها قسوة الأيام.

لكل إنسان طبيعي حكاية واحدة يستطيع اختصارها كيفما يشاء من خلال انتقاء أبرز المحطات في حياته، إذ إنها قد لا تكون مليئةً بالأحداث المتشابكة، إلا أن ذلك المهاجر لديه من القصص والأخبار ما لا نهاية له، ففي كل يوم لديه حكاية، وفي كل لحظة لديه رواية، فلكل إنسان حياة وللمهاجر حيواتٌ كثيرة، مخضبةٌ بمختلف ألوان الألم والشقاء.

تلفظه بحار الأمان إلى شواطئ القهر والعذاب، لا يجد لنفسه مستقرًا حيثما ذهب، وتظل سمة المهاجر تلاحقه أينما حل وارتحل، وكأنها وصمة تمنعه من استكمال حياته بشكل طبيعي، رغم أنه كغيره من الناس الذين يلتقي بهم خلف البحار والحدود، يحمل اسماً ولديه مشاعر وأحاسيس ولعله يحمل معه شيئاً من الكرامة التي استطاع أن يحملها معه خلسة.

تاركين خلفهم قصصاً ومسؤوليات وطموحات وحقوقاً.. هكذا يغادر المهاجرون أوطانهم حاملين معهم ما تبقى من عزيمة وقوة لإعانتهم على استكمال رحلة مجهولة ومحفوفة بالمخاطر، وقد تنتهي في كثير من الأحيان قبل أن تبدأ بحادث مؤسف.

غالباً ما يعيش ويعمل مهاجرون كثيرون في الظل، وبصفةٍ خاصة الذين ليسوا في وضع نظامي، حيث يخشون تقديم شكاوى. ويُحرمون من الحقوق والحريات التي تعد أمراً مسلّماً به، ويتعرضون بشكلٍ غير متناسب للتمييز والتهميش.

وفي الوقت الذي يرى فيه البعضُ المهاجرين على أنهم سلعاً ومجرد فاعلين اقتصاديين أو سياسيين، يرى آخرون إنهم عناصر تُحدث التغيير المجتمعي وتدفع إليه. وفي جميع أنحاء العالم، يكون المهاجرون، عندما تُحترم حقوقهم، في أفضل وضع للإسهام في المجتمع.

الواقع الذي يناقض الأحلام المرسومة للمهاجرين غير النظاميين يُجبرهم على البقاء على هامش المجتمع، وكثيراً ما يُستبعدون من الاقتصاد الرسمي، إذ يعمل معظم المهاجرين غير الرسميين في قطاعات سوق العمل المنخفضةِ المهارات، وغير المنظمة إلى حدٍّ بعيد، في أعمالٍ كثيراً ما تكون خطيرةً وصعبة.

منظمة العمل الدولية أكدت تلقيها بشكل مستمر تقاريرَ عن إساءة معاملة العمال المهاجرين، الذين يُجبرون على الالتحاق بعملٍ وسط ظروف خطرة، ولا يستطيعون تركه لأن مستخدميهم صادروا جوازاتهم. والمجالات التي يكون فيها المهاجرون مستضعفين بشكل خاص تتضمن الخدمة المنزلية والزراعة والتشييد والصناعة التحويلية والترفيه.

وبالرغم من أن المهاجرين ليسوا ضعفاء بطبيعتهم، إلا أنهم أكثر عرضة لانتهاكات حقوق الإنسان، فمن كان منهم في وضع غير نظامي يجد نفسه معرضًا بشكل غير متناسب للتمييز والاستغلال والتهميش، وغالباً ما يعيشون ويعملون في الظل، ويخافون من تقديم الشكاوى، ويتم حرمانهم من حقوقهم الإنسانية وحرياتهم الأساسية.

كثيرًا ما يلقى المهاجرون مصير الموت في البحار عندما يهاجرون نحو أوروبا، أو يتعرّضون لعمليات النهب والسَّلب من قبل تجار البشر، وقد لا يجدون في بلاد المهجَر تلك الحياة الورديّة التي كانوا يحلمون بها، فيصيبهم اليأس والإحباط، ويضطرّون للعودة إلى بلادهم، بادئين حياتهم من الصفر.

إحصاءات بالآلاف والملايين يجسدها المهاجرون

وفي بعض الإحصاءات الخاصة بالكشف عن أعداد المهاجرين كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن نحو 28 ألف ومئتي طالب لجوء ومهاجر، بينهم سوريون، عبروا دول غرب البلقان منذ بداية عام 2023، وحتى نهاية الشهر الماضي، في سياق الهجرة المختلطة، لافتةً إلى أن الرقم أقل 11 مرةً عمّا كان عليه في نفس الفترة من العام الماضي.

وقالت المفوضية في تقرير لها، إن أكثر من 6200 طالب لجوء ومهاجر، 18% منهم سوريون، كانوا في دول غرب البلقان الستة، حتى نهاية تشرين الأول أكتوبر الماضي، بما في ذلك 148 طفلاً غير مصحوبين مع ذويهم.

أما وكالة “بلومبيرغ”، فقد قالت إن اللاجئين لا بد أن يستقروا في مكان ما من هذا العالم، لافتة إلى أن هنالك ستة ملايين وخمسمئة ألف لاجئ سوري يعيشون خارج بلدهم. وما يزال السوريون يحتلون أعلى المراتب بين الفئات التي تسعى للجوء في أوروبا.

وقال مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني إن مليوناً ومئتي ألف شخص هاجروا إلى المملكة المتحدة خلال الأشهر الـ 12 حتى يونيو 2023، منهم ما يقرب من مليون شخص من خارج الاتحاد الأوروبي، في حين بلغ إجمالي المهاجرين 508 آلاف.

من جهتها كشفت وكالة “نوفا” الإيطالية مؤخرًا عن وصول أكثر من 150 ألف مهاجر إلى إيطاليا بشكل غير قانوني عن طريق البحر، وذلك منذ بداية العام الجاري.

الوكالة الإيطالية ذكرت أن أعداد المهاجرين الوافدين زادت بنسبة 62 بالمئة مقارنةً بالأرقام المسجلة العام الفائت، مشيرةً إلى أنه من إجمالي 150 ألف مهاجر قَدِم نحو 95 ألف شخصٍ من تونس، وهو ما يعني أن أعدادهم تضاعفت 3 مرات.

ووفق ما ذكره مكتب المنظمة الدولية للهجرة في اليمن، فإن عدد المهاجرين الأفارقة الذين وصلوا إلى هذا البلد خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي بلغ 86 ألفاً من أصل نحو 200 ألف هو إجمالي عدد المهاجرين الأفارقة في اليمن، حيث يسعى هؤلاء عبر عصابات متخصصة، إلى التسلل عبر الحدود إلى دول الخليج المجاورة بحثاً عن العمل.

وبحسب إحصائيات شبه رسمية في ليبيا فإن البلاد تستقبل ما بين 1.2 و1.5 مليون من العمال المهاجرين من مختلف الجنسيات الإفريقية بينهم نحو 250 ألف من النيجر وحدها، يعملون في قطاعات الزراعة والبناء والورش والمصانع وغيرها، المتصلة بالأساس بالقطاع الخاص، يقيمون على أرضها بصورة دائمة، إلى جانب نحو 500 ألف من المهاجرين يقيمون بصورة مؤقتة في ليبيا، يتخذونها نقطة انطلاق إلى الضفة الأخرى من المتوسط عبر قواربَ متهالكة قد لا تدرأ عنهم الغرق.

الأحداث التي عاشتها الدول العربية في الفترة الأخيرة من حروب وانتهاك للحقوق والحريات، لم تترك فُرصاً أخرى للشباب سوى الهجرة إلى بلدان أوروبا، إذ إنهم لا يتخلون عن عائلاتهم وأصدقائهم وحياتهم عن عبث، فقد يحوّل البؤس وتدهور البيئة والاضطهاد الحياة إلى جحيم لا يُطاق، وحين تُهدد الحرب حياتهم تهديداً مباشراً، يبقى الفَرار الخيار الوحيد للبقاء على قيد الحياة.

قد يعجبك ايضا