المسكوت عنه في إيران

ربما ثمة مدن من الصواريخ تحت الأرض في إيران، أما فوقها فمؤكد أن هناك شعبا يئن من وطأة الفقر.

هناك أسلحة تصنع للحرس الثوري ومليشياته في دول عربية بزعم تقوية “محور المقاومة”، ولكنها تستخدم لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، كما توظف لقمع الحريات وتكميم أفواه المعارضين لطهران وأذرعها. وفي إيران أيضاً تغدق الأموال على شراء الطاعة العمياء للولي الفقيه، ولكن خزائن الدولة تُخوى عند ترميم المدارس أو دفع الرواتب أو توفير العلاج للمرضى.

هذه المفارقة حقيقية تزداد اتساعاً وعمقاً في إيران. كل بضعة أيام يُعدم معارض للنظام، وكل بضعة أشهر يُقمع احتجاج على جانب من الحياة المتردية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً هناك. السبب ببساطة هو السلوك العدائي الخارجي للنظام، ورغم أن هذا السلوك أثبت فشله بما لا يحتمل الشك أو التأويل، فإن حكام طهران يصرون على مواصلته ويواظبون على ادعاء نجاعته وقدرته على تحويل إيران لقطب عالمي، أما مثلهم الأعلى في هذا فلن يكون إلا كوريا الشمالية على سطح هذا الكوكب.

قبل أيام على الكشف عن “مدن الصواريخ تحت الأرض”، كانت قوات النظام تقمع تظاهرات لمتقاعدين خرجوا إلى الشوارع في عدة مدن إيرانية، بسبب أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية. ما يزيد على أربعة ملايين متقاعد باتوا يعيشون تحت خط الفقر، والدولة التي خدموها لعقود لا تستطيع إنقاذهم بحجة شح الموارد. أما صناعة الصواريخ التي تستهدف دول الجوار، وتمويل المليشيات التي تعيث الفساد وتنشر الموت في المنطقة، فمواردها لا تشح ولا تنضب أبداً في كل زمان ومكان.

بعض ما تتداوله الصحف الإيرانية يوضح الأمر أكثر. صحيفة “العمل والعامل” تقول، في عددها الصادر يوم الثاني من مارس/آذار الجاري، إن العمال الإيرانيين باتوا يتقاضون أدنى الأجور حول العالم. لقد وصل دخلهم الشهري إلى أقل من 100 دولار، وهو ثلث أجرهم عام 2015، وخُمس ما كان عليه في 2010، وقبل هذا وذاك، هو أدنى مستويات الأجور في العقود الثلاثة الماضية، أما التضخم فقد وصل إلى حدود لا يستطيع فيها بعض الناس شراء الخبز، على حد قول الصحيفة.

الدجاج والبيض من المنتجات الفاخرة بالنسبة للإيرانيين، كما قالت صحيفة “رسالت” في اليوم ذاته. وأضافت أن تكلفة السكن قد زادت على الناس بنسبة 79%. أما صحيفة “جهان” فقد أعلنت نهاية شهر فبراير/شباط الماضي أنه خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، كان مؤشر البؤس (الذي يحتسب التضخم والبطالة) في إيران ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وفنزويلا هي الدولة الوحيدة الأكثر بؤساً منها.

بلغة الأرقام ذاتها تتحدث صحيفة “فورين بوليسي” عن الأوضاع الاقتصادية في إيران، فتقول إن العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، تسببت في انخفاض قيمة العملة المحلية (التومان)، وتدهور الاقتصاد، وانضمام نحو 3 ملايين شخص إلى صفوف الفقراء، و6 ملايين إلى فئة الدخل المنخفض منذ عام 2018. ورغم كل هذا تواصل طهران التظاهر بعدم الحاجة إلى إحياء الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، ويقول مسؤولوها إنه لا ضير من تأجيل المفاوضات مع الأمريكيين والأوروبيين إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية منتصف شهر يونيو/حزيران المقبل، وتشكيل حكومة جديدة ستكون من المحافظين المتشددين وفق استطلاعات الرأي.

ولا شك أن المسكوت عنه في إيران اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً أكبر بكثير مما ينفذ إلى العالم من الحصار الأمني الذي تفرضه السلطات في طهران على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. خشية النظام من تسرب ما تعج به المدن والشوارع والبيوت من ظلم وبؤس وقهر وفقر لا تقل عن خشيته من تسرب تلك المعلومات المتعلقة ببرنامجيه النووي والصاروخي، اللذين يحرص على تطويرهما أكثر بكثير من حرصه على تحسين أوضاع السكان، وقد باتوا يعجزون عن شراء أرجل الدجاج، كما اعترف قبل أيام قليلة فقط رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف.

خشية النظام الإيراني من افتضاح هفوات سياساته الداخلية عبر الإعلام ومنصات التواصل إنما تنطوي على ثلاثة أسباب؛ الأول هو الخوف الشديد من انفجار شعبي كبير لا يستطيع احتواءه، والثاني القلق من الحرج الذي يمكن أن يشعر به أمام الدول التي يدعي منافستها، أو تلك التي يروج أمام شعوبها بأنه “قائد للعالم الإسلامي” ومايسمى “محور المقاومة”، وهذا يقودنا إلى السبب الثالث المتعلق بخوفه من انكسار صورته وانهيارها بأعين هؤلاء الذين يدينون له بالولاء في الدول التي يهيمن عليها بمليشياته.

ومع تعدد أسباب القلق والخشية لدى النظام تحول خوفه بحد ذاته إلى أهم الأشياء المسكوت عنها في إيران. وليس أدل على هذا الخوف من محاولات قمع كل صوت معارض له أينما كان حول العالم، والتربص بكل أجنبي يدخل البلاد، وكل إيراني يتواصل مع الخارج. ولا ننسى طبعاً حادثة طائرة الركاب الأوكرانية التي وقعت العام الماضي، فقد كانت تقل نحو 150 مدنياً، وأقلعت من مطار طهران قبل أن تسقطها القوات الجوية الإيرانية بعد دقائق فقط، ظناً أنها صاروخ أو طائرة حربية معادية.

هذا الخوف هو ذاته الذي دفع بنظام طهران إلى محاولة تفجير تجمع لمنظمة “مجاهدي خلق” المعارضة له في العاصمة الفرنسية باريس قبل بضع سنوات، وهذا الخوف هو نفسه ما يخشاه المجتمع الدولي في امتلاك هذا النظام للقنبلة النووية. فمَن يعيش كل هذا الخوف، سيعمل على ممارسة كل هذا الإرهاب والعدوان على شعبه ومعارضيه حول العالم.

ما الذي يحول دون تسليم الحرس الثوري أسلحة النووية حال صنعت إلى مليشياته في لبنان أو العراق أو سوريا أو اليمن؟ هل من ضمانات بألا يستخدم السلاح النووي ضد الملاحة الدولية في مياه الخليج العربي؟ ألا يمكن أن يستخدم نظام طهران هذا السلاح لقمع احتجاج داخلي، أو إسكات معارضة خارجية؟

كل هذه التساؤلات مشروعة لمن يعرف النظام الإيراني جيداً، ويدرك أي مرحلة متقدمة من الخوف بلغها اليوم. وكما قال المفكر عبد الرحمن الكواكبي، قبل أكثر من 100 عام: “الخوف هو أفسد مستشار يُمكن للإنسان أن يستعين به، فهو لا يهدي إلى الطريق الأنسب، وإنما يجره من أذنيه إلى الطريق الذي يضمن فيه مصالحه”.

الكاتب: بهاء العوام

المصدر: العين الإخبارية

قد يعجبك ايضا