المستنقع الأفغاني وما بقي فيه

المشاغل ذات الطبيعة الأكاديمية لا تجد مكانا في عالم السياسة. ولكنها عميقة الفائدة، لمن قد يجد فيها طوق نجاة من مأزق.

الأفغان من معارضي طالبان كان يمكن أن يأخذوا بزمام المبادرة في التفاوض مع هذه الحركة بدلا من الولايات المتحدة، على أسس مختلفة تماما.

لقد كان من الأولى بهم، وقد أتيحت لهم فرصة التفاوض لعدة سنوات مع حركة طالبان، أن يطالبوها، هم، بتطبيق الشريعة وإقامة نظام إسلامي، يقتفي أثر السلف. يُمسك القرآن الكريم، ويسعى إلى تطبيق معاييره وقيمه وأخلاقياته حرفا حرفا.

سوف يبدو الأمر غريبا تماما. إلا أنه أصح وأنفع من الفوضى التي تتركها الولايات المتحدة خلفها الآن. كما أنه أفضل من الخذلان البشع الذي يتعرضون له من حلفائهم الأميركيين، الذين قالوا لهم إنهم يريدون إقامة حكم ديمقراطي يأخذ بالقيم الغربية لحقوق الإنسان.

يجلس المفاوض الأفغاني وبيده نسخة من القرآن، ليحسم الموقف القانوني من مسألة الزنا مثلا. ما من رجل على نصف علاقة بالإسلام إلا ويعرف أن أحكام الزنا لا تُطبق على الشبهات. وهناك ثلاثة أسس، لا محيص عنها، لثبوته: الاعتراف، وشهادة أربعة رجال شهدوا الواقعة، والحمل لمن لا سيد لها.

سوف يقول المفاوض الأفغاني لنظيره “المسلم” الطالباني “نريد منكم أن تطبقوا هذا”. بمعنى ألاّ تعاقبوا أحدا بالرجم، ما لم يعترف بعقل سليم، وما لم يكن هناك أربعة شهود، وما لم يقع الحمل.

أليس هذا هو دينكم؟

وهل تعليم المرأة حرام في الإسلام؟ وأين هو الدليل القرآني على أن المرأة لا تستطيع أن تعمل أو تتاجر أو أن تعيش مستقلة؟ وما هو الدليل الذي يجعلها كائنا يستوجب خضوعه لرجل بعد أن تبلغ الرشد؟ وهل قطع يد السارق، عن فقر أو جوع جائز؟ وهل تجارة المخدرات حلال في الإسلام (وهي ثلاثة أرباع اقتصاد “طالبان” الإسلامي)؟ وهل يتعارض مع الإسلام، أن يكون لك رأي آخر في الإدارة والسياسة والاقتصاد؟ وهل طلب العلم حرام؟ وهل ثمة في الإسلام ما يمنع المرأة من بلوغ أعلى درجات العلم والمعرفة؟ وما معنى القول إن الدين – المعاملة؟ أفلا يمكن إقامة نظام تشريعي يستند إلى حسن المعاملة؟ ولماذا قال ربكم “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” بدلا من القهر والسياط؟ أم تراكم تعبدون ربا آخر؟ ومن هو “المؤمن”، ولماذا اعتبر دينكم قتل إنسان واحد بغير حق كقتل الناس أجمعين؟

وما معنى أن يقول لكم ربكم “لا إكراه في الدين” (ويمد المفاوض يده ليريهم الآية 256 من سورة البقرة)؟ وهل الاختلاف بين الناس ممنوع، بينما يقول لكم ربكم “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” (يونس 99). ثم قال “ولَو شاءَ ربكَ لَجعل النَّاس أُمَّةً واحدة ولا يزالون مُخْتلفين” (هود 118)؟ أفأنت أقدر من الله، وأقوى؟ أم أنت هو العزيز الحكيم الذي يفصل بين الناس قبل أن يصلوا إليه؟

كان يمكن للمفاوض الأفغاني مع طالبان أن يكون رجل معرفة بالدين الإسلامي، ليس ليقول لنظرائه إنكم “طلاب جهل” بالضرورة، ولكن ليتوافق معهم على معايير شرعية لإقامة نظام إسلامي أقل همجية مما يقترحون.

مفهوم لماذا ما كان بوسع الولايات المتحدة أن تنخرط في هذا السبيل، ولا حتى أن تساعد فيه. فهذا ليس من شغل السياسة الأميركية ولا من أهدافها أصلا. إذ ما هي المشكلة في أن يبقى المسلمون منحرفين عن دينهم وعن قيمه وأخلاقياته؟ ولماذا يتعين على الولايات المتحدة أن تصلح ما لم يقدروا هم على إصلاحه من أنفسهم؟ ولو ذهبوا بما يفعلون إلى الجحيم، فما هو الضرر الحقيقي على حياة أمم تمضي في طريق القوة والغنى والعلم؟

ولكن، أفلم يكن بوسع دولة أنفقت نحو تريليوني دولار على صراع بائس، وأقامت نظاما سياسيا جديدا، وحشدت من حولها الملايين من الأفغان الذين يختلفون مع طالبان في المنهج والرأي، أن تحفظ لهؤلاء ماء وجوههم على الأقل بدلا من أن تجعلهم ضحية للفشل، أو أن تتركهم نهبا للقتل والتجريم؟

المبعوث الأميركي إلى أفغانستان زلماي خليل زادة، هو نفسه مسلم. ولا بد أنه يعرف شيئا عن دينه يبرر له أن يرتدي ربطة عنق ولا يضع على رأسه عمامة. بمعنى أنه يعرف على الأقل أن الإسلام هو دين للعدل والمساواة والتضامن الاجتماعي والتآخي بين البشر قبل أن يكون دين أزياء وأنماط ملابس (إذا كان أصلا)؛ أفلم يعرف أنه دين لصدق القول وإيفاء الوعد وأداء الأمانة وحفظ الفروج وغض البصر وكف اليد عن الأذى. أم أنه لا يعرف كيف يمكن لهذه المعايير أن تتحول إلى قوانين؟

تعود أفغانستان لتذهب إلى الجحيم. ولسان حال كل من كان له صلة بالصراع الذي دام عشرين عاما يقول: فليذهبوا إلى الجحيم. وإليه هم ذاهبون بالفعل.

مفهوم أيضا أن الولايات المتحدة تريد أن تنشر قيمها. هذه هي الوظيفة الأهم لإعلاء النموذج. إنها اقتصاد ومصالح استراتيجية وعلامة كبرى من علامات التفوق. لتقول إنها هي “الإنسان الأخير”، وكل ما عداها شر ولا يستحق الحياة. كل ما يضيع من المال لتحقيق هذه الوظيفة يمكن تعويضه. ولكن لا يمكن تعويض الهزيمة في النموذج. وإذا قُدّر لهذا النموذج أن ينسحب، فليس من المعقول أن يترك خلفه شيئا إلا الخراب، ليكون هو البديل، فيقدم البرهان، بنفسه، على فشل كل نموذج آخر. بكلام آخر “فإما أن يسود نموذجنا الخاص فننتصر، أو أن يفشل البديل، فننتصر أيضا”.

هذا هو جوهر العقدة الراهنة في العلاقة مع الصين. إنها نموذج آخر. ويبدو ناجحا، ويحقق تقدما اقتصاديا مطردا. حتى لكأن هذه البلاد برزت في غفلة من الزمن بينما كانت الولايات المتحدة تغرق حتى أذنيها في حرب عبثية في أفغانستان وأخرى أكثر عبثا منها في العراق.

وحيثما يقتضي السباق الراهن مع الصين أن تصحو، فإن الانسحاب من دوائر العبث، هو خيار لا عودة عنه. وهو ما يشمل المواجهة مع إيران أيضا.

هذه بيئات يمكن تركها لكي تتعفن وتتفكك وتتحول إلى مستنقعات تغزوها عصابات جراثيم، من أمثال طالبان وحزب الله والحوثي والحشد الشعبي، لتنهش في أجساد مجتمعاتها حتى تدفن نفسها بالموت الذي تستحق. هذا هو مصيرها ليس لأنها لم تقبل بالنموذج، بل لأنها لم تكن في الأصل موضوعا صالحا لأيّ نموذج؛ لم تكن صالحة إلا لما هي فيه من فساد وتخلف وأمراض طائفية ومسالك همجية وجهل. وهو مصيرها المشؤوم، لأنها بيئات لم تدرك قوى السياسة فيها، أنها أمام خيارين: إما أن تصنع نموذجا صالحا للحياة، أو أن تضيف إلى المستنقع عمقا.

ما كان من واجب الأميركيين أن يقيموا نظاما ديمقراطيا في العراق. ولكن ألم يكن من واجب العراقيين أنفسهم، وقد أتيحت لهم الفرصة، لبناء نظام يحترم نفسه على الأقل، بدلا من أن يحولوا بلادهم إلى مرتع للنهب والسلب والقتل والفساد العميم؟

ومع سطوة الوحشية ومسالك الجريمة الإيمانية التي يتبعها غلمان الولي الفقيه، فإن الفرصة ضاعت. ربما إلى الأبد. كما تضيع في كل مكان وضع الشيطان إصبعه فيه، حتى تحولت إلى كيانات مهترئة على كل وجه.

وما كان من واجب الأميركيين الراحلين أن يتفاوضوا مع طالبان لإقامة نظام سياسي يُمسك بالقرآن الكريم، ويحول معاييره وقيمه إلى قوانين. ولكن أليست هذه قضية كانت تستحق من الأفغان الآخرين أن يعتبروها خيارا يجدر القتال من أجله، بما أن الإسلام بات هو المأزق، ليكون هو نفسه طوق النجاة؟

ربما. ولكن الوقت قد فات. وكل ما باتوا قادرين عليه هو البحث عن مأوى، أو التعايش مع المستنقع الذي لم ينجحوا في تطهيره مما فسد في دينهم، زعما بأنهم يعرفونه!

الكاتب : علي الصراف

المصدر:العرب

قد يعجبك ايضا