العربي الجديد: إدلب التي تقاتل الفناء

 

الكاتبة: ميسون شقير

تكشف الباحثة، نوغا كدمون، في كتابها “على قارعة الطريق وعلى هامش الوعي” أحد أهم جوانب الصراع العربي الفلسطيني بشأن أسماء القرى الفلسطينية التي تم تدميرها وطرد سكانها، لأن الأسماء تبقى سنوات طويلة تحمي حيّزها وهوية المكان، تعيش من التاريخ الذي يحميها،
وتستقر فوق الجغرافيا التي تقع فيها، وهذا ما يجعل المعركة على الأسماء في حالة الصراعات السياسية عليها مهمة للغاية، بل وحاسمة، لأن الاسم هنا يحمل معاني تتجاوز معناه الحرفي، حتى إن الأسماء غير المهمة تصبح مهمة للغاية، ليس لأنها أسماء، بل لأنها، أولا وقبل كل شيء، هوية، وهذا الربط بين الاسم والحفاظ عليه كان دائما مسألة ضرورية لإعادة صياغة رواية المكان التي ظلت تعتمد على “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، بشكل خاص في القضية الفلسطينية.
تعاني مدينة إدلب السورية اليوم ما عانته المدن والقرى الفلسطينية من تهجير إجباري لأهلها الأصليين، ومن محو كامل لوجودهم فيها، وتدمير لآثارهم في المكان، ولكن هذا كله ليس على يد العدو الإسرائيلي، هذه النظرية الصهيونية المعتمدة أصلا على الاحتلال، بل على يد الجيش السوري الذي بقيت الميزانية المخصصة له تأكل من قلب المواطن السوري الذي كان راضيا، لأن ذلك يذهب لكي يبني السوريون جيشا سيحرّر فلسطين يوما، لكن الديكتاتور الأب بنى جيشا ليحمي فقط عرشه، وليقتل الآن السوريين في ثورتهم العادلة.
وعلى الرغم من الموت الذي يحاصر اسمها وأهلها وأرضها وتاريخها، وعلى الرغم من اختلاف التفسيرات لدى الباحثين، تصرّ إدلب على أن تخبر هذا العالم الأصم والأعمى بأنها كانت وستبقى مدينة الحضارة البشرية الأولى، مدينة التاريخ والحياة والخصب.
وستخبر العالم كيف أخذ العثمانيون شبّانها إلى “السفر برلك”، وكيف قاومتهم وعادت حرّة، وكيف دخلها الاحتلال الفرنسي وأهان أهلها، لكنها قاومته بثورة ابنها الوفي، إبراهيم هنانو، وكيف أنها، مثل كل المدن القادمة من أول خطوط التاريخ، مهما قصفها الطغاة، ومهما قتلوا من شبابها، ستنتصر وتعود قويةً، فلا بد لبحر الزيتون الأخضر فيها من أن يغرق كل أعداء الحرية، وكل الأعلام السوداء.

قد يعجبك ايضا