الشرق الأوسط: حرب التاريخ في سوريّا…

حرب التاريخ في سوريّا…
الكاتب: حازم صاغية

لواحدنا أن يجادل في كلّ ما يتعلّق بالثورة السورية: متى كفّت عن أن تكون ثورة لتبتلعها الحرب الأهليّة؟ متى صعد الإرهاب التكفيري من رحمها، أو من رحم سَحقِها؟ أي ضرر أحدثته عسكرتها؟ لماذا غاب عنها حضور المدن؟ أي دور كان للخارج فيها؟ أي وعي حكمها؟ أي ممارسة سادتها؟ …
شيء واحد تستحيل المجادلة فيه؛ إنّه التاريخ.
اليوم، في موازاة انتصاره العسكريّ، يسعى النظام السوري وراء انتصار في التاريخ. يسعى وراء كتابة زائفة لتاريخ زائف. ولأنّ البداية تتحكّم إلى حدّ بعيد بالنهايات؛ اختيرت «المؤامرة» بداية في هذا «التاريخ»: البلاد كانت سليمة معافاة تسبّح بحمد زعيمها إلى أن هبّت عليها، ذات ليل: «مؤامرة تكفيريّة مدعومة من الخارج». قبل ذاك النعيم. بعد ذاك الجحيم. بينهما يوالي الرئيس بشّار الأسد نضاله لاستعادة ذاك الفردوس المفقود السابق على 2011. ولأنّ ما حصل مؤامرة، لا ثورة، فإنّ تلك الاستعادة أقصى ما يصبو إليه السوريّون ومَن يتمنّون لهم الخير والسؤدد.
إذن «المؤامرة» التي ظهرت بالأمس أتت من لا مكان ومن لا سبب. وهل يُعقل أن يكون رفض الفردوس شيئاً آخر غير… مؤامرة؟
وفقاً لهذين؛ التاريخ والتأريخ، لم تعرف سوريّا النظام الأمني وزنزاناته، وكمّ أصوات الإعلام وتحريم المعارضة الحزبيّة والاستقلال النقابيّ، كما لم تعرف تركيب السلطة الطائفيّ، ولا اتّساع رقعة الفقر والبحث عن العمل في العشوائيّات وفي الخارج، ولا مصادرة قرار الجيران الفلسطينيين واللبنانيين وتهديد الأردنيين وخوض الحروب المسكونة بالهزائم… حماة 1982 لم تكن سوى إشاعة مغرضة.
إنّ التهذيب لا يسمح بكلمة أخرى غير «التزوير» في وصف تاريخ وتأريخ كهذين.
وهذا كلّه قابل للأخذ والردّ باستثناء الافتراض المضلّل الذي يُبنى عليه التاريخ الرسمي السوري كما يكتبه منتصر نصره حلفاؤه الخارجيّون. فالمقدّمة التي يرسمها بداية لا تفضي إلا إلى نهاية وخيمة أخرى سوف يقاومها السوريّون مثلما قاوموا صيغ التزوير التي سبقتها. ذاك أنّهم سيرون فيها استبدالاً لتاريخهم بخرافة تتستّر على دمهم، وسيطلع من هذا الاستبدال صوت يقول لهم إن ضحاياكم لا يُحَدّ عليهم لأنّهم ليسوا أبناء التاريخ، بل أبناء المؤامرة. والويل مِن حُزن لم يُتَح له أن يُختَم بحِداد.

قد يعجبك ايضا