الشرق الأوسط…ثورات “الربيع العربي” بين الانتكاسات وآمال التغيير

 

بين حصادِ ما تعرفُ بثوراتِ الربيعِ العربيّ والآمال، يتّضحُ أنّ حساباتِ البيدر خالفتْ حساباتِ الحقل، فالإطاحةُ بأنظمةِ زعماءَ مستبدِينَ حكموا بلدانهم بقبضةٍ من حديد، لم تبعد شبح الفساد والصراعات الطائفية والطبقية والأزمات عن البلدان المنتفضة، التي فاقمت مآسي شعوبها التدخّلات الخارجية بأدوات محلية.

فمهد تلك الثورات تونس تعيش أزمةً سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً متصاعدةً عمقتها، حركة النهضة برئاسة راشد الغنوشيِ، الذي تتهمه المعارضة بدعم الجماعات الإسلامية والارتهان للنظام التركي الساعي إلى جعل البلاد مرتعًا للإرهاب بهدف تنفيذ أطماعه التوسعية والاحتلالية في البلدان العربية، غير أن بعض التونسيين سلكوا مسار شعلة الثورة محمد البوعزيزي الذي بدأه قبل عشر سنوات، ضد نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بغية طي صفحة المعاناة إلى غير رجعة عبر جهودٍ وتحركاتٍ سياسيةٍ تقودها بعض القوى المناهضة لحركة النهضة داخل أروقة البرلمان.

أحداثٌ كتب المصريون أبرز فصولها بإسقاط سنوات من حكم الاستبداد، قبل أن يتسلّق الإخوان الثورة بالسيطرة على الحكم، لينقلب الغالب مغلوباً، لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر، ليتوج المصريون ثورتهم بانتخاباتٍ جديدة، أعادت لهم ما حاول تنظيم الإخوان سلبه منهم بالقوة.

رحيل القذافي أيضاً لم ينهِ مأساة ليبيا التي غرقت في الفوضى وتحوّلت إلى نزاعٍ مسلّحٍ قسّم الليبيين إلى جبهتين متضادتين، تقف الأولى خلف الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، والثانية تصادر قرارها وإرادتها قوات حكومة الوفاق، التي رهنت نفسها لمخططات تنظيم الإخوان العالمي، بزعامة النظام التركي، الذي يعمل على إذكاء أوار الصراع، عبر تجنيد المرتزقة وزجّهم فيه خدمةً لأجنداته، ويضع العصي في عجلات أيِّ حلٍّ سياسيٍّ قد ينهي مسلسل المعاناة في ليبيا.

حالة من التشرذم والانقسام تعصف باليمن كذلك، بسبب التدخّلات الخارجية في المعادلة السياسية والعسكرية، فالبلاد باتت مقسّمةً بين عدّة قوى تتصارع بالوكالة لصالح أطراف خارجية، جعلت اليمنيين يئنّون تحت وطأة أسوء كارثةٍ إنسانيةٍ في العالم، عمقتها الأطراف المتصارعة، التي يعد حزب الإصلاح التابع لتنظيم الإخوان أحدَ أقطابها.

أحلام السوريين وتطلعاتهم، أيضاً لا تزال معلقة، عسكرة الحراك الشعبي السلمي وحرفه عن مساره بتخطيطٍ ودعمٍ تركي، حوّل الآلاف من السوريين إلى مرتزقةٍ لخدمة مخططاته الخارجية، وعمل على ضرب أيِّ حلٍّ يجمع الأطراف السورية على طاولة الحوار، عبر اختزال إرادة السوريين بمجالس وهيئات يسيطر عليها أتباعه من الإخوان وأعوانهم، لترسيخ احتلاله مساحاتٍ كبيرةً من أراضي البلاد، واستمرار مسلسل إخفاقات العملية السياسية التي لم تبصر النور.

ومع التحاق الجزائر والسودان والعراق ولبنان بركب الحراك العربي، الذي تحطّمت فيه بعد فترةٍ وجيزةٍ من انطلاقه، آمال الشعوب المنتفضة نتيجة الفوضى السياسية والصراعات الدامية التي أنتجتها التدخلات الخارجية، ظلّت الجامعة العربية ومعها المجتمع الدولي، عاجزون عن التقاط زمام المبادرة، والإسهام في تحقيق تطلعات الشعوب التي تنشد الحرية والديمقراطية، وكف أيادي العبث الخارجية.

فأي مستقبل ينتظر الدول العربية التي فتّتها التدخلات الخارجية والأزمات الداخلية، مالم تركن إلى الحوار بين مكوناتها لحلحلة أزماتها الداخلية، من أجل إفشال المخططات الخارجية، وإبعاد شبح المعاناة عن شعوبها، وتصحيح واقعها الذي يجسد مقولة ما أشبه الليلة بالبارحة.

قد يعجبك ايضا