الشرق الأوسط: بوتين هو الحل… بوتين هو المشكلة؟

 

الكاتب: غسان شربل

منذ سنوات تحوَّل «مؤتمر ميونيخ للأمن» فرصةً لقياس منسوب القلق الدولي، إذ تلتقي في مِنصّته، كما في رُدُهاته، المواقف المتناقضة، والنزاعات المفتوحة، والمخاوف المعلنة والمضمرة من تصاعد أدوارٍ وانحسار أخرى، في ظل قناعةٍ راسخة بغياب آليةٍ جدّية وفاعلة لضبط المواجهات والتصدعات.
ولا مبالغةَ في القول إنَّ الدورة الـ56 للمؤتمر التي اختُتمت أعمالها، أمس، هي الأهمُّ منذ انطلاقه في عام 1963. فقد عكست المداخلات والمناقشات واللقاءات الهامشية حجم القلق المخيّم على كثير من اللاعبين. تكفي الإشارة إلى القناعة أنَّ رائحة شكلٍ من الحرب الباردة الجديدة لم تعُد مجرّد تكهُّناتٍ متشائمة.
ثم إنَّ الحديث عن «أُفول الغرب» أو تراجع دوره لم يعد محصوراً في الغرف المقفلة. ثم إنَّ القارة نفسها التي ينعقد المؤتمر على أرضها، بدت أشبه بأسطولٍ قديمٍ يُبحر خائفاً بين «الانطوائية» الأميركية و«العدوانية» الروسية ومن دون ردِّ فعلٍ موحّد من بحارة الأسطول.
ومرة جديدة بدت سياسة بوتين أكثر تعقيداً وغموضاً. لم يتضح ما إذا كان راغباً في تقليص الدور الإيراني وما إذا كان قادراً. لكنَّه في المقابل لم يُحاول منع إسرائيل من شنِّ جولاتٍ من الغارات على البنية العسكرية الإيرانية في سوريا، وأقام مع بنيامين نتنياهو علاقة تشاور كثيفة ودائمة.
ومن جهة أخرى، اهتمَّ بتعميق التباعد بين تركيا والغرب، وأدخل الصواريخ الروسية إلى ترسانة هذه الدولة الأطلسية، وأعطاها في المقابل ضوءاً أخضرَ للتدخل عسكرياً على الأرض السورية، وتفكيك الشريط الكردي. ثم تبيَّن أنَّ تركيا تريد أكثر من ذلك وأنَّ روسيا تُضمرُ غير ما تُظهر. ولعلَّ لافروف أجاد اختصار المسألة حين قال في ميونيخ: «روسيا وتركيا وإيران ليست لها أهداف واحدة في سوريا».
وفي الوقت نفسه، أطلَّ ظِلُّ بوتين في ليبيا ودار الحديث عن «المرتزقة الروس» والمرتزقة من السوريين المصنفين في خانة «أصدقاء روسيا»، والذين يُرابطون في المعسكر المقابل الذي نَقَلَ إليه إردوغان مرتزقةً من «أصدقائه» السوريين.
من ميونيخ إلى إدلب ووصولاً إلى ليبيا، ظِلُّ بوتين حاضراً. لكنَّ بعض الذين اعتقدوا أنَّ بوتين هو الحل، يعتقدون اليوم أنَّه المشكلة بحساباته التي تُفاجئ اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين.

قد يعجبك ايضا