الشرق الأوسط: أيام سودانية فاصلة

الكاتب: حنا صالح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دخل السودان فور التوقيع بالأحرف الأولى على وثيقة الإعلان الدستوري في الرابع من أغسطس (آب)، الحقبة الأهم في تاريخه السياسي. حقبة التحول إلى حكم مدني، إلى وعدٍ بقيام دولة مدنية تعددية لا مركزية، هي الغاية التي خرج من أجلها الملايين إلى الشوارع، وقُدمت في سبيلها التضحيات الكبيرة، تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، وترتكز مؤسسات الحكم فيها على سيادة حكم القانون والفصل بين السلطات والشفافية.
المرحلة حاسمة، وربما هي الأصعب في مسيرة السودان الثورية، تحمل تحديات متعاقبة، وأملاً بعدالة آتية، هي وحدها الممر الإلزامي لرد الظلم ومكافحة الفقر والتمييز العرقي والديني. مسيرة مطالبة بتأكيد أولوية المصالحة والسلام والإصلاح، وترسل المؤشرات الجدية على إنهاء نهج الإقصاء، لتحقق المرجو منها على طريق معالجة الاختناق الاقتصادي.
إعلان حكومة الثورة مسألة لا تقبل التأخير، لتحضير البلد لمواجهة قوى النظام القديم، أو الدولة العميقة التي قامت على ميليشيات «الحركة الإسلامية»، التي تتشكل من أعداد ذات ولاء أعمى للحكم الشمولي.
وحدها حكومة الثورة المؤيدة من الشارع، وتحوز دعم القوات المسلحة، قادرة على تنقية أجهزة الأمن، وتفكيك «دولة الظل» وتصفيتها. وأي تأخير سيضع السودان أمام احتمال أحداث عنف وتخريب، بوهم قدرة هذه الميليشيات على إعادة «الحركة الإسلامية» إلى واجهة السلطة من جديد!
والخطر أكثر من حقيقي، بعد إعلان «تنسيقية القوى الوطنية» التي تضم القوى التي تعاونت مع نظام البشير، ومنها ائتلاف «نصرة الشريعة ودولة القانون»، رفضها الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى «إعلان الحرية والتغيير»، كما تحفظت مسبقاً على الدستور الجديد الذي سوف يصوغه المجلس التشريعي المزمع تشكيله.
قبل 17 يوليو (تموز) يوم توقيع الإعلان السياسي، تأكد بالملموس عدم قدرة العسكريين على الانفراد بالحكم، وعدم قدرة المدنيين على فرض رؤيتهم كاملة؛ لكن الشارع الذي التف حول عنوان التغيير الجدي، وأظهر قدرة غير مسبوقة على استنباط أشكال مختلفة من النضال السلمي، فرض الذهاب إلى حل تشاركي، رسمت حدوده يوم الرابع من أغسطس وثيقة الإعلان الدستوري.
الصعوبات ما زالت كامنة؛ لكن القيادة التي تجاوزت الفخاخ وحصّنت السلمية، أعرف بما يواجه السودان، فشكل قرار الإبقاء على التعبئة الجماهيرية سلاحها السري لاستكمال المسيرة.

قد يعجبك ايضا