السلطة الإيرانية الحاكمة تتنازل عن “ثوابتها” أمام زخم الاحتجاجات

قرابة مئة وخمسين يوماً من الاحتجاجات ضد السلطات الحاكمة في إيران، على خلفية مقتل الشابة الكردية جينا أميني على يد ما تسمى شرطة الأخلاق، احتجاجات لم تتخيل طهران توسعها على هذا الشكل، ولا استمرارها كل هذا الوقت.

إيران شهدت منذ بداية حكم الملالي لها في أواخر السبعينات من القرن الماضي، الكثير من الاحتجاجات، والكثير من الحركات المعارضة لها السياسية منها والمسلحة، إلا أن جميعها أُخمدت بقوة السلاح من قبل الأجهزة الأمنية، أو تلاشى مفعولها مع مرور الزمن، وفقدت شعبيتها.

لكن ما يدور في إيران هذه الأيام، فاق كل توقعات السلطة، فالمظاهرات مستمرة منذ منتصف أيلول/ سبتمبر الفائت، على الوتيرة نفسها، والزخم نفسه، وربما ما يزعج الأجهزة الأمنية هو مشاركة معظم المدن في الاحتجاجات التي تواجهها بالقوة المفرطة، وتعتقل الكثير من المشاركين فيها، ليلاقوا حكم الإعدام في انتظارهم بتهم تحمل طابعاً دينياً، ما أنزل الله بها من سلطان.

السلطات الإيرانية بعد أكثر من أربعة أشهر من الاحتجاجات تبدو عاجزة تماماً على إخمادها، وإسكات المحتجين الذين تزداد أعدادهم يوماً بعد يوم، والذين يبدو أنهم لم يملوا بعد من الخروج للشوارع بشكل يومي للمناداة بإسقاط رموز الحكم، وكافة أجهزته الأمنية في البلاد.

المناصرة الكبيرة التي لاقتها الاحتجاجات التي قادتها لأول مرة في تاريخ إيران النساء دون الرجال، تحت شعار صغير جداً في عدد كلماته، كبير جداً في معانيه وهو “المرأة، الحياة، الحرية”، وصلت إلى عقر دار الحكام الإيرانيين، إذ أصدرت بدري حسيني خامنئي، شقيقة المرشد الإيراني علي خامنئي، بياناً تبرأت فيه من شقيقها ومن حكمه الذي وصفته بالاستبدادي، منتقدةً المؤسسة الدينية منذ عهد الخميني حتى حكم خامنئي.

كما دعا الرئيس الأسبق محمد خاتمي إلى لجوء السلطات إلى استخدام ما أسماها وسائل مدنية غير عنيفة، ما يؤدي لدفع الدولة من أجل تغيير مسارها والخوض في إصلاحات.

أما مير حسين موسوي الذي شغل منصب رئيس الوزراء في عهد الخميني ما بين عامي 1981 و1989، فطالب بإجراء استفتاء حر وعادل بشأن الحاجة إلى صياغة دستور جديد للبلاد، خاصة وأن الصيغة الحالية للنظام السياسي غير مستدامة، حسب وصفه.

كل ما سبق، دفع السلطات الإيرانية لمراجعة حساباتها، فبعد إصدار أحكام إعدام على مشاركين في المظاهرات، تراجعت تحت وقع المعارضة المستمرة، وذلك بإصدار خامنئي عفواً عاماً عن عشرات الآلاف من المعتقلين من بينهم الكثير ممن خرجوا في الاحتجاجات.

المشاركون في المظاهرات طيلة الأشهر الماضية، يعلمون علم اليقين أن دحر نظام مستبد, وأجهزة أمنية تبطش بالمعارضين بلا رحمة، ليس بالأمر اليسير، لكن صمودهم أجبر النظام ذاته على إلغاء ما كانت تسمى شرطة الأخلاق، التي لقت جينا حتفها في أحد مراكزها بعد اعتقالها في العاصمة طهران.

ومن يعرف عقلية السلطة الحاكمة في إيران، يعلم أن حدثاً كهذا يُصنّف في خانة المستحيلات، وهو ما دفع المحتجين بعد كسرهم حاجز الخوف، وخروجهم من عباءة حكم الملالي المسلطة عليهم منذ أكثر من أربعين عاماً، للاستمرار في التظاهر، فبعد إلغاء شرطة الأخلاق، هناك بقية، والبقية تأتي.

قد يعجبك ايضا