السادس من أيار… الشعلة التي أضاءت طريق الحرية في سوريا

تأبى ذاكرةُ السوريين أن تُزيح من رفوفها وتمحو من طياتها بعضَ الأحداث التاريخية المهمة، بعضها كان له دورٌ في وضع اللبِنة الأولى لنشوء دولتهم بداية القرن العشرين، سيما وأن بعض مجريات الواقع الذي يعيشونه اليوم ترتبط بشكلٍ أو بآخر بتلك الأحداث.

ففي السادس من أيار من كل عام، تختلط مشاعر السوريين بين حزن لفقدان مجموعةٍ من الطبقة المثقفة، أُعدمت على يد جمال باشا السفاح، ومن جهةٍ أخرى تنتابهم مشاعرُ فرحٍ تسللت من أن تلك الحادثة المفجعة كانت أولى شرارات ثورةٍ أنهت أطول فترة احتلالٍ في تاريخ البلاد.

ولتتضح رؤية مشهد إعدام الشهداء، لا بد من العودة إلى الأسباب الحقيقة التي أوصلت البلاد لما آلت إليه، فسوريا كانت من أولى البلاد التي رزحت تحت الاحتلال العثماني، بعد أن دخلها السلطان العثماني سليم الأول، بعد انتصاره على المماليك في معركة مرج دابق سنة 1516م.

احتلالٌ أتبعه ظلمٌ واستبداد وجهل وإهمال للتراث الحضاري للبلاد، بعد أن كانت دمشق في يومٍ من الأيام منارةً للعلم والعلماء، فتبدل حالُها بعد احتلالها، وللالتفاف على النقمة الحاصلة من سوء الأوضاع، حاولت بعض الأحزاب التركية ومنها حزب “تركيا الفتاة”، والذي تحوّل إلى “جمعية الاتحاد والترقي” فيما بعد، استمالةَ الشارع العربي عبر إظهار تعاطفها مع مطالب الإصلاح، لا حبّاً بهم بل بُغية الوصول لسدة الحكم، عبر استمالة الضباط العرب في الجيش العثماني.


تعاطفٌ مزعوم سرعان ما تبدل بعد وصول “الاتحاد والترقي” إلى مبتغاه، فأظهر وجهه الحقيقي، إذ أمر بحلِّ جميع الأحزاب والجمعيات التي لا تنتمي إلى الجنس التركي داخل جسد الرجل المريض، فعاد الظلم والاضطهاد من قبل العثمانيين بحق الشعوب إلى سيرته الأولى.

وإزاء نهج العسف ذاك، زاد الازدراء من قبل الشارع، فقابله العثمانيون بمزيدٍ من الغضب، سيما مع ظهور أولى بوادر الاستقلال مع حركات البايات والدايات في المغرب ودولة محمد علي في مصر، ودويلات فخر الدين المعني الثاني بشير والشهابي في لبنان.

كل هذا زاد من حنق العثمانيين على الدويلات الناشئة، فصبوا جُلَّ غضبهم على مناطق بلاد الشام، لقربها من مركز السلطنة العثمانية، ولخوفهم من تحالفاتٍ تُعقد بين أوروبا وحكام بلاد المغرب ومصر، تقوّض حكمهم في تلك البلاد، فوجهوا بوصلة حقدهم تجاه المناطق المجاورة.


تزامنت تلك الأحداث مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، والتي آثرت فيها الدولة العثمانية الوقوف إلى جانب ألمانيا، على مبدأ عدو عدوي صديقي، ففرنسا وبريطانيا خصوم ألمانيا في الحرب ظهرت لهما أطماعٌ في المنطقة، التي يسيطر عليها العثمانيون.

وكما هو الحال اليوم في المناطق التي تحتلها تركيا شمال سوريا، جنّد العثمانيون الآلاف من الشباب العرب للمشاركة في حربٍ لا ناقةَ لهم فيها ولا جمل، فيما عُرف لاحقاً بـ”السفربرلك” فأُرسلوا إلى جبهات القتال وقُتل منهم الكثير.

ومع شعور العثمانيين برجحان كفة الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، عمدوا إلى تعيين أحد أسوأ الشخصيات والياً على الشام، أحمد جمال باشا، الملقب بالسفاح وهو الذي عُرف بكرهه للعرب ومكره الشديد، ففي البداية حاول استقطاب العرب، وضمّهم تحت جناحيه؛ خشية الانقلاب على دولته في ذلك الظرف الصعب، وللاستفادة منهم في تلك الحرب، واستغلال مواردهم.

من لم يُقتل بالحرب قُتل بغيرها، تلك عبارةٌ يمكن أن تلخّص فترة السفاح التي قضاها والياً على الشام، فتلطّخت يداه بدماء آلاف الشعوب ممن لقوا حتفهم تحت نيران بنادقه ومدافعه، وفوق ما عُرف بـ”الخوازيق” القميئة، التي لم تراعِ حرمةَ الدين الذي يجمعهم ولا دمائهم ولا أعراضهم.

خسائر العثمانيين المتتالية في الحرب العالمية الأولى، وفشل حملة السفاح على مصر لطرد البريطانيين، وإعادة فرض سلطته على أرض الكنانة، كانت كلها أسبابٌ ليعود لممارسة الانتقام ضد أهل الشام، مُحمّلاً إياهم أسباب فشله، ويستغل تلك الحادثة ليحكم قبضته على السلطة بيدٍ من حديد، ويمارس سياسة البطش ضد كل من يخالفه الرأي، فضلاً عن إقصاء العناصر العربية من الإدارة واتخاذ القرارات، وإحلال العناصر التركية بديلاً عنها.

أضف إلى ذلك أن السفاح قام باعتقال المثقفين العرب ببيروت ودمشق، وإعدامهم بتهمٍ ملفقةٍ ومطبوخة على شاكلة التخابر والتجسس لصالح بريطانيا وفرنسا، ومحاولة الانقلاب والانفصال عن الدولة العثمانية.

أقام السفاح محاكماتٍ صوريةً عُرفية لضحاياه، لم يراعِ فيها أعرافاً دوليةً ولا قانونية، ولا حتى أخلاقاً إسلامية، ولم تتسم بالحد الأدنى من معايير المحاكمات العادلة، وصدرت الأحكامُ الجاهزة بإعدام جمعٍ غفيرٍ من الأبرياء، وبرغم التوسلات والمناشدات بوقف الأحكام، وإطلاق سراح ضحاياه، إلا أنه كان عاقدَ العزم على التخلّص منهم، وإراقة دمائهم، ونُفذت أحكام الإعدام شنقاً على دفعتين: واحدةٌ في 21 آب 1915م، وأخرى في 6 أيار 1916م، في كلٍ من ساحة البرج في بيروت، التي سُميت فيما بعد بساحة الشهداء، وساحة المرجة في دمشق.

ومن أهم الشخصيات التي قام السفاح بإعدامها في دمشق: شفيق بن أحمد المؤيد العظم، والذي أدى دوراً كبيراً في تأسيس الأحزاب والجمعيات في سوريا الساعية للاستقلال عن الدولة العثمانية، وعبد الوهاب بن أحمد الإنكليزي، والأمير عمر عبد القادر الجزائري حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وشكري بن علي العسلي، ورفيق سلوم، والشيخ عبد الحميد الزهراوي، ورشدي الشمعة.

واليوم وبعد أكثر من مئة وثماني سنوات على حادثة الإعدام تلك، يبدو أن من يدّعي أنه وريث تلك السلطنة البائدة ينتهج النهج نفسه وإن كان بصور مختلفة، فاحتلال تركيا لمناطق واسعة من الشمال السوري، وأطماعها في احتلال المزيد من أراضي سوريا والعراق، وارتكابها لانتهاكات واسعة بحق أبناء المنطقة المحتلة وهجماتها على مناطق أخرى وتدميرها للبنى التحتية ومنشآت الطاقة فيها، إنما هي تكرار لتلك الأطماع المتوارثة، إلا أنه كما للباطل رجال فإن للحق رجالاً يعرفونه ويعرفهم.

قد يعجبك ايضا