الحرب الروسية تغير الواقع وتهدد العالم بخطر المجاعة

ربما الوقائع التي أحدثت تغييراً كبيراً على العالم منذ عقود، كانت قليلة جداً، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عاشت البشرية على وقع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي والتنافس فيما بينهما في عدة مجالات بداية من التسلح النووي، وصولاً للسباق في غزو الفضاء.

انهيار جدار برلين عام 1989 بدأ يرسم ملامح مرحلة جديدة في العالم، ومع تفكك الاتحاد السوفييتي إلى جمهوريات، مال الكثير منها شيئاً فشيئاً رفقة دول المعسكر الشرقي نحو الغرب.

وما هي إلا سنوات قليلة حتى كانت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001، ليخرج الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بتصريحه الشهير “إن الدول التي ليست مع الولايات المتحدة فهي ضدها”، في إشارة إلى حربه على الإرهاب، وليتغير وجه العالم من جديد.

وفي شباط/ فبراير المنصرم، دقت آلة الحرب الروسية طبولها في الأراضي الأوكرانية، بحجة نية انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي، وهو ما يعد تجاوزاً لخطوط حمراء رسمتها موسكو أمام جيرانها، وحلف الناتو.

ومع التحشد الكبير من المعسكر الغربي ضد روسيا، وكمية العقوبات التي فُرضت عليها، تيقّن الجميع أن العالم مُقبل على واقع جديد، لا سيما مع تعنّت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعدم تنازله عما وصفه بحق بلاده المشروع بالدفاع عن أمنها القومي.

أيام قليلة وظهرتِ النتائجُ غير العسكرية للحرب، فارتفعت أسعار النفط والغاز، وباتت الحكومات الأوروبية تخصّص كمياتٍ من الزيوت والمأكولات لمواطنيها، كما أرسلت إليهم إشارات بأنهم ينتظرهم شتاء بارد مع توقف متوقع لتدفق الغاز الروسي الذي تعتمد عليه دول الاتحاد الأوروبي بنسبة تقارب الـ 40%.

ومع استمرار الحرب زادت مخاوف مراقبين من آثارها على تأمين القمح لكافة دول العالم، إذ تُنتج روسيا وأوكرانيا قرابة ثمانية وعشرين بالمئة من إنتاج القمح العالمي، بالإضافة لمحاصرة الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، وتخوّف الشركات من شراء القمح الروسي جراء العقوبات، ليتحقق ما كان يخشاه الجميع، أزمة غذاء عالمية تهدد العالم أجمع، لا سيما القارة الإفريقية.

هذه الأخيرة كان رئيس اتحادها ماكي سال في زيارة رسمية إلى روسيا قبل أيام، التقى خلالها الرئيس الروسي، وبعد اجتماع استمر ثلاث ساعات خرج سال ليطمئن الإفريقيين بأنه تلقى وعوداً من بوتين بتخفيف القيود على صادرات الحبوب من المنطقة إلى باقي أنحاء العالم، لكنه لم يذكر كيف ومتى.

وإلى أن تتكشف تفاصيل الوعد الروسي، اتجهت العديد من الدول نحو أسواق تصدير أخرى للقمح، وكانت الهند ثاني أكبر منتج للمادة مقصد الجميع، لا سيما بعد تصريحات لمسؤوليها عبروا فيها عن استعداد نيودلهي للبيع في ظل تزايد الطلب على المادة وارتفاع سعرها في الأسواق العالمية، إلا أن ذلك تغيير بعد حظر الهند بيع القمح حرصاً على أمنها الغذائي.

القلق العالمي من تأثيرات الحرب السلبية ازداد طرداً مع استمرارها لأكثر من مئة يوم، خاصة مع وصول تقارير إلى مجلس الأمن الدولي تفيد بأن العالم مقبل على مجاعة خلال شهرين، إذا ما بقي الوضع على ما هو عليه، لذا تسعى الأمم المتحدة للوصول إلى اتفاق يسمح بفتح ممرات التجارة عبر البحر الأسود.

وإلى أن يتم ذلك، يبدو أن العقوبات الغربية على موسكو لم تؤتِ أكلها، إذ ارتفع سعر الروبل الروسي مقابل الدولار لمستويات قياسية، خاصة مع إلزامها الدول غير الصديقة حسب وصفها على الدفع بالروبل عوضاً عن الدولار للحصول على الغاز، أو قطع الإمدادات عنها.

وقبل أزمة الطاقة والغذاء وغيرها من الأزمات الأخرى، كشفت الحرب عن وجه الغرب الحقيقي الذي ادعى لسنوات حمايته حقوق الإنسان دون تمييز بين عرق ولون ودين وجنس، إذ تسارع المسؤولون الأوروبيون ومعهم وسائل إعلام عالمية في تفضيل استقبال اللاجئين من أوكرانيا على أقرانهم من دول الشرق الأوسط كسوريا والعراق وأفغانستان، لا لشيء، فقط لأنهم “بيض وبعيون زرقاء”.

قد يعجبك ايضا
ankara escort çankaya escort