الحرب الروسية الأوكرانية (ملف خاص)

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، اندلعت حرب من نوع آخر لا يصدر عنها الكثير من الضجيج، هي الحرب الباردة بين كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، اللذين اختلفا على كيفية إدارة ما بعد الحرب وإعادة بناء العالم، فبدأت كل من القوتين عمليات بناء عسكرية وصراعات سياسية، ودعمتا حروباً بالوكالة في مناطق مختلفة.

عام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين انهار الاتحاد السوفييتي، وانفرطت حبات عقده، وأبرزها أوكرانيا التي دقت المسمار الأخير في نعشه، رغم الروابط التاريخية التي تربط البلدين الممتدة من العصور الوسطى، إذ تلتقي جذورهما في الدولة السلافية الشرقية “كييف روس”.

عام ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعةٍ وتسعين تخلّت أوكرانيا التي كانت عيونها مسلطةً دائماً على الغرب، عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم من العهد السوفييتي، بموجب اتفاقية بودابست التي وقعتها مع كل من الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا، والتي تنص على أن الدول الموقعة “تعيد التأكيد على التزامها بالامتناع عن التهديد أو استخدام القوة ضد وحدة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأوكرانيا، وأن أياً من أسلحتها لن تُستخدم ضد كييف باستثناء حالات الدفاع عن النفس بما يتوافق مع قرارات الأمم المتحدة”.

عام ألفين وثلاثة اندلعت أول أزمة دبلوماسية بين البلدين في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خريف العام ألفين وثلاثة، عندما بدأت روسيا بشكل مفاجئ بناء سد في مضيق كريتش باتجاه جزيرة كوسا توسلا الأوكرانية، والذي اعتبرته كييف محاولة لإعادة ترسيم حدود جديدة، قبل أن توقف روسيا بناء السد.

عام ألفين وثمانية حاول الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، إدماج أوكرانيا وجورجيا في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، فأعلن الكرملين أنه لن يقبل الاستقلال التام لأوكرانيا، التي حاولت توثيق علاقاتها بالغرب من خلال اتفاقية تعاون مع الاتحاد الأوروبي، جمدتها حكومة الرئيس الأوكراني الأسبق يانوكوفيتش، بعد أشهر من توقيعها عام ألفين وثلاثة عشر.

انطلقت إثر ذلك احتجاجات معارضة لقراره، أدت لفراره إلى روسيا عام ألفين وأربعة عشر، والذي شكل فراغاً في السلطة استغلته موسكو لضم القرم في آذار مارس ألفين وأربعة عشر.

أعلنت في العام ذاته جمهوريتان شعبيتان في دونيتسك ولوغانسك يترأسهما روس، توقيع اتفاق مينسك لوقف إطلاق النار، لكن هجوماً شنه من تصفهم كييف بالانفصاليين، أدى لهروب قواتها من مدينة ديبالت سيفي الاستراتيجية، ليأتي اتفاق “مينسك 2” برعاية غربية.

ومنذ ديسمبر ألفين وواحد وعشرين، طالب بوتين الولايات المتحدة علناً ألا تسمح بانضمام أوكرانيا إلى الناتو أو تتلقى مساعدات عسكرية، لكن الحلف لم يرضخ لهذه المطالب وواصل إعطاء إشارات مشجعة لضم أوكرانيا، إلا أن بوتين راهن على حالة الانقسام في الغرب إزاء الدور الأمريكي في العالم، بعد حالة عدم الثقة التي تراكمت في عهد الإدارتين الأخيرتين للبيت الأبيض، وأدت لنفور الشركاء الأوروبيين.

حشدت روسيا نحو مئة ألف جندي قرب الحدود مع أوكرانيا، وصرح بوتين أنه سيعترف باستقلال دونيتسك ولوغانسك، ووقع أوامر لقواته بتنفيذ مهام عسكرية في كلتا المنطقتين.

في الأثناء تقدمت روسيا بمشروعي معاهدتين تضمَّنتا طلباتٍ بـ”ضمانات أمنيّة”، بما في ذلك تعهدٌ ملزِمٌ قانونًا بعدم انضمامِ أوكرانيا للناتو، وخفض قوات الأخير وعتاده العسكري في أوروبا الشرقية، وهدَّدت بِرد عسكري “غير محدد”، إذا لم تُلبَّ هذه المطالب بالكامل.

في الحادي والعشرين من شباط ألفين واثنين وعشرين، أعلن الكرملين أن القصف الأوكراني دمر منشأة حدودية تابعة لجهاز الأمن الفيدرالي على الحدود، وقال إنها قتلت خمسة جنود أوكرانيين حاولوا العبور إلى الأراضي الروسية، وبينما نفت أوكرانيا تورطها بالحادثتين، اعترفت روسيا رسمياً باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك.

في الرابع والعشرين من شباط فبراير ألفين واثنين وعشرين، أعلن بوتين في خطاب متلفز انطلاق عملية عسكرية قال إن هدفها “تجريد أوكرانيا من السلاح واجتثاث النازية منها، وأمر قواته بدخول تلك المناطق، فيما أعلنت أوكرانيا حالة الطوارئ، وخاطب الرئيس فولوديمير زيلينسكي مواطني روسيا بالروسية، وناشدهم لمنع الحرب.

بعد دقائق من خطاب بوتين، دوت انفجارات في كييف وخاركيف وأوديسا ودونباس، ونزلت قوات روسية في أوديسا وماريوبول وأطلقت صواريخ كروز وصواريخ باليستية على المطارات والمقار والمستودعات العسكرية في كييف وخاركيف ودنيبرو، وكانت تقترب من مدينة خاركيف، وتنفذ عملية إنزال في ماريوبول وأوديسا، كما أبلغ عن هجماتٍ في لوغانسك وسومي وخاركيف وتشرنيهيف وجيتومير، وكذلك من شبه جزيرة القرم.

أعلن زيلينسكي الأحكام العرفية في أوكرانيا، وأمرَ الجيش بإلحاق أقصى الخسائر بالروس، مؤكداً قطع العلاقات الدبلوماسية مع موسكو، لتتوالى الأنباء من الطرفين عن إيقاع خسائر كبيرة في صفوف الطرف الآخر، فيما ركزت وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية على إظهار معاناة المدنيين وأعداد القتلى والجرحى والنازحين، والدمار الذي خلفه القصف الروسي.

سيطرت القوات الروسية على محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية والمناطق المحيطة بها، واستولت على جزيرة الثعبان، وفي وقت قدرت الأمم المتحدة أن أكثر من مئة ألف أوكراني تركوا منازلهم، وعبر الآلاف منهم إلى مولدوفا ورومانيا، كشف زيلينسكي أن مئة وسبعة وثلاثين أوكرانياً من المدنيين والعسكريين، قتلوا في اليوم الأول من الهجوم الروسي.

وفي اليوم الثاني للحرب أمر زيلينسكي بالتعبئة الكاملة للجيش الأوكراني مدة تسعين يومًا، وكان الروس يحاولون تطويق العاصمة كييف والتقدم إلى خاركيف، وسط هجمات أكثر فعالية في الشرق والجنوب، فيما تدهورت قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية خلال الأسبوع الأول من الحرب.

وبينما كانت القوات الروسية تسيطر على مناطق أوكرانية عديدة منها زابوريجيا ومحطتها النووية، رفض الناتو في الرابع من آذار، طلب أوكرانيا فرض حظر جوي فوق أراضيها، معتبراً أن ذلك سيؤدي لحرب شاملة مع روسيا.

لكن أعضاء الناتو سلموا أسلحة دفاعية لأوكرانيا، وقدموا دعماً على دُفعاتٍ بمليارات الدولارات لكييف، بما يشمل صواريخ وأسلحة مضادة للدروع وأسلحة خفيفة وذخائر، كما وافق الاتحاد الأوروبي على شراء أسلحة لأوكرانيا بشكل جماعي، والذي اعتبره الكرملين محاولة لتوريط أوكرانيا بحرب استنزاف طويلة ضد روسيا نيابة عن أمريكا وحلفائها.

إلى جانب ذلك أدانت الأمم المتحدة ومعظم الدول الغربية والأوروبية الهجوم الروسي على أوكرانيا، وفُرضت عقوبات أمريكية وأوروبية كبيرة على روسيا بشكل أحادي وفي إطار الاتحاد الأوروبي، بالإضافة لتجميد ومصادرة أصول شخصيات وشركات مرتبطة بالكرملين، وتقييد استيراد النفط والغاز وبعض المواد والسلع الأخرى من روسيا.

ومع دخول الحرب عامها الثالث، فاق عدد القتلى جراء القصف والمجازر المرتكبة في أوكرانيا منذ الرابع والعشرين من شباط فبراير ألفين واثنين وعشرين، أكثر من عشرة آلاف شخص، إلى جانب نحو ثمانية وعشرين ألف مصاب، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.

المنظمة الدولية أشارت أيضاً إلى أن ما يقارب خمسة عشر مليون أوكراني يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بينما فرّ نحو ستة ملايين وثلاثمئة ألف شخص عبر الحدود إلى الدول المجاورة.

هذه الخسائر تأتي في وقت تشير معظم التقارير إلى احتمال استمرار الحرب وتوسعها، على الرغم من الخسائر العسكرية الكبيرة أيضاً في صفوف الطرفين، وتراجع الدعم الأمريكي والغربي لأوكرانيا تدريجياً، وذلك لأسباب عديدة منها فشل الهجوم الأوكراني المضاد، والانقسامات السياسية الداخلية في الدول الداعمة لكييف، والانتقادات التي طالت الحكومات بسبب حجم الدعم الكبير، في وقت حذرت تقارير من نفاد مخزونات الذخائر الأوروبية.

أما روسيا فإلى جانب خسائرها العسكرية الهائلة، فقد أثرت عليها موجات العقوبات الأوروبية والغربية لعزلها عن النظام المالي العالمي، وحرمانها من الإيرادات اللازمة لتمويل الحرب، في حين قدرت أوكرانيا قبل أشهر، أن الحرب كلفت اقتصادها مئة وخمسين مليار دولار، وتخطط لإنفاق أكثر من ثلاثة وأربعين مليار دولار على الجيش عام ألفين وأربعة وعشرين.

وتسببت الحرب التي جاءت إثر جائحة كورونا، بعرقلة التعافي من أزمات التضخم وارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، ما انعكس في تباطؤ أكبر للنمو وزيادة التضخم وارتفاع بأسعار مصادر الطاقة والمحاصيل الزراعية.

اليوم وبعد فشل كل محاولات الوساطة الدولية لوقف الحرب في أوكرانيا، فإن استمرارها يهدد بالمزيد من الموت والدمار والخسائر الاقتصادية للبلدين والعالم بأسره، ولا سيما مع عدم التوصل إلى تسوية للحرب في غزة، وخطر ظهور بؤر ساخنة أخرى، ما يجعل الحرب الأوكرانية بعيدة عن دائرة التركيز على الرغم من تداعياتها الكارثية على الاقتصاد والأمن في العالم.