الحرب الباردة الثانية: قمّة كسر الجليد أم العظم؟

يلتقي الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في قمة هي الأولى بين الرجلين تَقرّر أن تُعقد في مدينة جنيف السويسرية في 16 يونيو الجاري.

بايدن كان قد أطلق صفة “القاتل” على بوتين خلال حوار له في برنامج تلفزيوني أميركي، وإثر هذا التوصيف أصبح من الشائع أن يتندّر خصوم بايدن على خروجه علناً بما ينافي تقاليد التخاطب الدبلوماسي بين الرؤساء. واختص بنقده بشكل لاذع أقطاب من الحزب الجمهوري من الذين يترصدون له أية زلة سياسية يحسبونها نقطة ضده وتكون أداة مضافة في معركتهم الانتخابية القادمة لاستعادة ما خسروه في العام 2020 من مواقعهم في السلطتين التنفيذية والتشريعية في آن.

فها هو النائب الجمهوري عن ولاية تكساس وعضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب مايكل ماكول يرفع من لهجة انتقاده لبايدن لجهة قرار الأخير رفع العقوبات عن خط أنابيب “نورد ستريم 2″، وقد رأى في هكذا قرار ما يشبه “رسم الانتساب” Cost of Admission التي دفعها البيت الأبيض لتيسير اللقاء المباشر بين الزعيمين إثر الهجوم الاستباقي الذي تلقاه بوتين من بايدن، والذي ردّ عليه في حينها ببرود شديد وعدم اكتراث “متمنياً الصحة للرئيس الأميركي”.

وبالرغم من أن العقوبات المفروضة على مشروع خط أنابيب الغاز شارفت على الانتهاء مع وصول بايدن إلى سدّة البيت الأبيض، إلا أن الجمهوريين يتهمون بايدن بالنفاق كون قراره إنهاء العقوبات يتناقض مع المخاوف البيئية التي هي في قمة أولوياته، بل وتشكّل العامل المؤثر على مجمل قراراته التي تتعلق بالطاقة والتلوث البيئي.

البعد السياسي لخط أنابيب “نورد ستريم 2” الذي يؤمّن إيصال الغاز الروسي إلى ألمانيا دون أن يمرّ عبر أوكرانيا، يكمن في كونه مشروعاً إستراتيجياً ستستخدمه موسكو في فرض هيمنتها من خلال ضخها غازها رخيص الثمن نسبة إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالمياً متأثرة بجائحة كورونا، ومباشرة إلى الشريان الحيوي الأوروبي، ما سيزيد من فرص المناورة والمساومة على مواضيع حساسة وساخنة ما زالت عالقة بين روسيا من طرف وأوروبا والولايات المتحدة من طرف آخر.

واشنطن ما زالت ترى في “نورد ستريم 2” خطراً مقبلاً على وحدة قرار حلفائها الأوروبيين في الحلف الأطلسي وعلى استقلال اقتصادهم الذي سيعتاد تدفق الغاز الروسي غير المكلف أمام منافسه الأميركي الغالي الثمن، الأمر الذي سيخلق خطاً ساخناً لنزاع جيوستراتيجي طويل الأمد بين موسكو وواشنطن سيمتد موازياً لخط الأنابيب.

العقوبات الأميركية كانت سبباً في تعليق أعمال الشركات العاملة في المشروع لمدة عام كامل خلال السنة الأخيرة من عهد ترامب، ومع رفع العقوبات الذي أقرّه بايدن ستسارع موسكو إلى مواصلة عمليات البناء لتنتهي منها في أسرع وقت ممكن. ومن المؤكد أن هذا المشروع ومقارباته في ملف أوكرانيا الشائك بين الطرفين سيكون على رأس أجندة القمة القادمة.

وكان مستشار الأمن القومي الأميركي جاك ساليفان قد أشار حين الإعلان عن موافقة البيت الأبيض على حضور القمة أن الرئيس بايدن سيبحث مع نظيره الروسي قضية الحشود العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا وسيؤكد دعم واشنطن المستمر لكييف. إلا أن هذا لا يبدو مقنعاً للجمهوريين والعديد من الديمقراطيين الوسطيين من حزب الرئيس الأميركي، وهم يرون فيه تنازلاً سياسياً لبوتين بلا مقابل، في حين يعتقد العديد منهم أنه كان بإمكان الرئيس بايدن تمديد العقوبات والاستمرار في موقف ثابت من غايات موسكو غير المعلنة من هذا المشروع والتي يمكن اختصارها برغبتها في إحكام السيطرة على حلفاء واشنطن والتنافس معها على أرض هي ملك لشركائها الأطلسيين.

فواشنطن حساسة جداً لطبيعة تعاطي شركائها في الحلف الأطلسي مع روسيا في قضايا إستراتيجية تتعلق بقطاعات الطاقة أو الأمن أو التسليح، ولا يختلف الزعماء الأميركيون من الحزبين على كونها ميزاناً حقيقياً لضمان استقلال الحلف عن أي اختراق سياسي أو عسكري روسي محتمل.

وقد رأينا في وقت سابق كيف منعت واشنطن بموافقة أغلبية ممثلي الشعب الأميركي في الكونغرس صفقة طائرات F35 إثر قرار الرئيس أردوغان اقتناء منظومة صواريخ S400 من روسيا ضارباً بعرض الحائط حساسية الإدارة الأميركية من قيام دولة عضو في الحلف الأطلسي بمحاولة امتلاك أسلحة إستراتيجية روسية وأميركية في آن والجمع بينها على أرض واحدة، وبالتالي تعريضها تقنية السلاح الأميركي المتطورة للمراقبة اللصيقة بل وللتجسس عليها من الطرف الروسي.

مصادر مطلعة أفادت مكتب واشنطن لصحيفة “العرب” بأن الطرفين سيتجنّبان من حيث المبدأ الخوض بعمق في تفاصيل القضايا الخلافية في لقائهما الأول، وأنهما سيمران عليها مرور الكرام حتى يكون اللقاء أقرب إلى كسر الجليد بين القطبين الأعظمين في العالم منه إلى ليّ الذراع. وما رفع العقوبات الذي نصح به مؤخراً مستشارو الرئيس إلا خطوة تمهيدية في هذا الاتجاه بالرغم من اتهام بايدن المتواصل لموسكو بالتدخل في سير وتوجيه الانتخابات الأميركية، وبالمسؤولية عن الاعتداءات السيبرانية على أكثر من وكالة حكومية أميركية التي دُبّرت بأيادي قراصنة روس (Solar Winds) وبغض طرف رسمي من موسكو إن لم يكن بإشراف مباشر من أجهزتها.

أما على مستوى العلاقات الخارجية فعلى أجندة واشنطن في القمة مواضيع عاجلة أهمها حمى التسلّح الروسي ونشر القواعد العسكرية خارج الحدود، مروراً باحتلال شبه جزيرة القرم، وصولاً إلى حرب النفوذ الباردة الجديدة في المحيط المتجمد الشمالي في منطقة تحاذي حدود الولايات المتحدة الشمالية غير المحمية.

أما ملف الشرق الأوسط فلن يكون له موقع على أجندة الرئيسين إلا من زاوية التحفّظ الأميركي على الانتشار العسكري الروسي في المنطقة وسعي موسكو للتموضع طويل الأمد وبسط النفوذ من خلال شراكات أقامتها مع نظم استبدادية بائدة يمثلها خير تمثيل نظام بشار الأسد في سوريا، حيث كان بوتين أول من أبرق له بالتهنئة في فوزه بالانتخابات الرئاسية التي قد تكون أصلاً من تصميم وتنفيذ موسكو وبضمانتها للنتيجة مسبقة الصنع. أما الولايات المتحدة فقد أنكرت بالمطلق تلك الانتخابات وتبرأت من نتيجتها ووصفتها باللاشرعية كونها تقع خارج إطار القرار الأممي 2254، ما سيستدعي استمرار فرض العقوبات الأميركية على نظام الأسد وحلفائه بل وتوسيع دائرتها.

الكاتبة: مرح البقاعي

المصدر: العرب

قد يعجبك ايضا