التعطيش لغة الديكتاتوريات

بات واضحاً أن التعطيش والتحكم بموارد المياه بات لغة ديكتاتوريات العصر الحديث، ورغم التقدم العلمي وآلاف الشرائع الخاصة بحقوق الإنسان إلا أن حرمان المدنيين من حقهم بالحصول على المياه بات الورقة الرابحة التي يتم من خلالها الحصول على الصفقات التجارية والاقتصادية والسياسية.
فالجميع منشغل بالوقت الحالي بسد النهضة الذي تقيمه إثيوبيا والذي سيؤدي إلى حرمان كل من مصر والسودان من جزء كبير من حصتهم المشروعة من مياه النيل، كون إثيوبيا تقيم سدها في منطقة المنبع، ولا تزال مصر إلى الآن تمارس الدبلوماسية والاتصالات والمباحثات حتى لا تتفاقم الامور بشكل دراماتيكي، وتدخل المنطقة بحرب هي بغنى عنها في الوقت الحالي.
وليس بعيداً عن النيل يعاني كل من نهري دجلة والفرات من الجفاف أيضاً، وذلك بسبب سياسة السدود المتبعة من قبل كل من إيران وتركيا، مما زاد بشكل مؤسف من الأراضي القاحلة وتحولت الممرات المائية إلى مناطق جافة، والمناطق الزراعية التقليدية إلى مناطق جرداء، وتحولت المياه خصوصاً في سوريا التي تتحكم بها تركيا إلى أداة للضغط السياسي من قبلها، يتم من خلالها التحكم بمحطات توليد الكهرباء ومياه الري والشرب، في ظل صمت دولي عن هذه الأفعال المخالفة للقوانين الدولية.
إن التلاعب بكمية ومنسوب المياه بهذه الأنهار الاستراتيجية يعتبر تعدياً على الأمن القومي للدول التي يمر بها، كون التأثيرات الناتجة عن هذا التلاعب مدمرة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، فكثير من الزراعات مرتبطة بمياه الأنهار، وهي زراعات ومعها بعض الصناعات التي تخص القطاعات الحكومية والخاصة على حد سواء، ويعتاش منها ملايين المدنيين، وهو أمر إن اهتز سيؤثر على الأمن الاجتماعي بعد ضرب موارد السكان ودفعهم لترك أعمالهم إلى أعمال أخرى أو حتى قيامهم بهجرات داخلية إلى مناطق أخرى تؤمن احتياجاتهم اليومية، كما أن الأمن البيئي سيكون مهدداً بسبب الجفاف وانخفاض منسوب المياه واختفاء كائنات حية بعد التأثر بالجفاف كالأسماك وغيرها، التي تؤمن التوازن البيئي منذ قرون طويلة.
ومن الملاحظ أن مصر نجحت أكثر من سوريا والعراق بتحويل مسألة المياه إلى قضية رأي عام ليس فقط على الصعيد الداخلي بل أيضاً على الصعيد العالمي، مع حركة تماسك وتعاضد شعبي مع الحكومة والقيادة المصرية، وذلك عائد لأسباب عديدة منها الاستقرار الذي تنعم به مصر مقارنة بدول الجوار والطريقة التي تدار بها الأزمة والتي يفتقدها العراق وتفتقدها سوريا، حيث تلعب الأوضاع الداخلية دوراً سلبياً بإدارة الأزمة التي تبدو وكأنها غير موجودة تقريباً، وبالتالي فإن المطلوب حالياً تفعيل التحركات السياسية والإعلامية لفضح وكشف ما يجري.
فعلى سبيل المثال فإن سوريا تعاني من أوضاع ليست خافية على أحد من تباعد بالمواقف وشبه حالة انقسام، إلا أنه من الممكن التقاء الحكومة السورية والإدارية الذاتية على الأقل للتباحث فقط حول أزمة المياه دون غيرها من الملفات، كون هذا الملف يتعلق بسوريا والشعب السوري ولا يتعلق بطرف سياسي دون آخر، ووضع خطط لمواجهة التعنت التركي الذي سيكون له انعكاسات سلبية كبيرة سيدفع الشعب السوري ومعه سوريا كلها ثمنها باهظاً في المستقبل القريب.

الكاتب: فادي عاكوم

المصدر: جريدة روناهي

قد يعجبك ايضا