التطرف والتجويع والإقصاء أدوات للقضاء على المجتمعات

يبدو لنا أن جل ما يفكر به هذا النظام العالمي الجديد هو محو أيّ فرصة لوجود مجتمعات متكافلة متعاونة عاطفيا ونفسيا وفكريا وثقافيا وقيميا، حتى لا يتسنى لها النجاة.

وكان جل ما فعله في معظم الدول المنهوبة والمنسية والمُبادة أن دمرها ثقافيا ونفسيا وفكريا خلال العشرين عاما الماضية، ثم قضى عليها ببنيتها التحتية وبأرواحها ومواطنيها ومواردها وحاضرها ومستقبلها.

يقول عميل جهاز المخابرات السوفييتي السابق يوري بيزمينوف في محاضرة قديمة له مسجلة: أعلى فنون الحرب هو عدم القتال على الإطلاق، بل تخريب أيّ شيء ذي قيمة أولا.

مراحل التخريب تكون بإسقاط الأخلاق خلال 15 إلى 20 عاما، بتدمير جيل كامل ثقافيا وفكريا، وصرف الناس عن تعليم أي شيء بنّاء وواقعي وفعّال، ونزع المسؤولية تجاه الروابط القائمة على التكافل من الأفراد.

ثم ينوه بيزمينوف إلى استهداف الدين، بإبعاد الناس عنه وازدرائه وإبعادهم عن المنظومة الروحية ومنظومة القوانين والإرشادات والشعائر الرادعة لهم.. ثم يقول إن الحل يكون بالعودة إلى الدين.

وربما تمكن إضافة أدوات أخرى ممتازة لضرب المجتمعات، وهي استخدام الدين مشوّها ومحرّفا وبطريقة مخادعة قاسية، وتعزيز الوطنية المتطرفة لدرجة نفي وجود الآخر، بجعل إدراك الأفراد ومفهومهم ورؤيتهم لأنفسهم والآخر والحياة مختلا، وقائما على التكفير والتشويه والنبذ ورفض الحوار وأيّ انفتاح فكري أو تطور بالوعي والإدراك.

أيّ عالم إنساني عادل محترم نتوقع بعد ذلك؟

هذا النظام العالمي الجديد يبدو متبنيا للرأسمالية المتطرفة، ودستوره قائم على الماديات والجشع والاحتكار وتعظيم الفجوات بين أقلية تملك وأخرى تهرع ليل نهار كفأر على عجلة لتأمين فتات يومها.

نظام يساهم في خلق مجتمعات أنانية ونهمة لا تشبع، ويعزز الفردانية المطلقة واللاتعاطف.. وجلّ ما يزرعه من قيم في المجتمعات أن ينتهي المطاف بكل فرد محاولا الحصول على حقوقه بمفرده ومحاولا إحلال عدالته بنفسه، إما لكونه مُنهكا غير قادر على إغاثة نفسه، أو لأن سكان هذا العالم فقدوا أي تعاطف حقيقي مع بعضهم.

إذا.. لماذا يحزن إن اضطر الفرد إلى اللجوء إلى العنف في محاولة لانتزاع حريته وعدالته وحقوقه؟

إن كان هذا “النظام الجديد” لا يستطيع إحلال العدالة ولا يجد في قاموسه أيّ مكان لإعلاء قيم إنسانية تضمن إيجاد مجتمعات بشرية وسطية إلى حد ما، وإن كان عاجزا عن توفير تجربة بشرية تحترم وجود البشر، كل البشر، بحقوقهم وأحلامهم وواقعهم واحتياجاتهم.. فماذا يتوقع من الأفراد؟

كيف لنا أن نتوقّع منهم اللجوء إلى الحوار بدلا من العنف في محاولة انتزاع حقهم في الحياة؟

لا أؤيد عالما يستشري فيه العنف، ولا أريد مجتمعات قائمة على التدمير، لكننا للأسف نعيش حاليا في قعر الجحيم، لا يمكن الحديث والحوار مع أيّ جهة، بنخبها وبمواطنيه، الجميع غاضب وساخط، نهم لتدمير الآخر لعله ينجو.. الجميع نهمون يريدون إنهاء اللعبة وتدمير الآخر.

نحن في عام 2024.. من المفترض أننا نعيش في عالم يقدم نفسه متطورا تكنولوجيا ويتباهى بالذكاء الاصطناعي وناطحات سحابه. لكن إنسانيا وثقافيا وفكريا وواقعيا تجد الدول هشة، والقانون مجرد حبر على ورق. الشرق الأوسط بات عبارة عن ركام، وأفريقيا غارقة في فقرها في ظل ثرواتها المنهوبة.

ويبدو أن الإنسان في الكثير من المناطق في هذا العالم يتجرع مرارته لوحده ويعيش الخذلان بنفسه.

الإنسان المعاصر يُترك وحيدا في هذا العالم، يصارع مصيره المشؤوم، ويعتاد على مشهد قاتم مظلم في تفاصيل أيامه، سواء في غزة والضفة ولبنان، ثم نعرّج على سوريا واليمن، ثم السودان وليبيا وانقساماتها وأزماتها السياسية، وأوكرانيا وروسيا والحرب طويلة الأمد.. ثم نعود لنستذكر أفغانستان المخطوفة والمدمرة إنسانيا.

أيضا الدول التي تعاني من تبعات التغير المناخي وتداعياته من فيضانات مستمرة دمرت المنازل والمدن، وتستحضر الذاكرة “درنة” المدفونة على سبيل المثال، ثم الإكوادور وإندونيسيا حديثا، وصولا إلى إجلاء الآلاف في كازاخستان وروسيا قبل أيام بسبب فيضانات وُصفت بأنها الأسوأ منذ عقود.

ولا ننسى مسلسل حرائق الغابات التي تتكرر كل عام.. من كولومبيا إلى اليونان إلى تشيلي التي افتتحت المشهد هذا العام.

وفي سيناريو قريب جدا سنعود لنرى لهيب الجحيم يتزايد مع التوقعات بصيف حار جدا مقبل على العالم، من مناطق تعاني من الجفاف، إلى مناطق أخرى تعاني من الزلازل وتبعاتها..

الإنسان يعاني من أزمات تهدد وجوده، والتغيرات المناخية تؤثر على الزراعة وأسعار المواد الغذائية.. لتأتي الحروب والصراعات المسلحة و”تزيد الطين بلة” وتهدد الأمن الغذائي لمئات الملايين الذين لا يتوفر لهم حتى الفتات.

وهو ما يصل بنا إلى خطر المجاعات الذي يتعاظم خلال هذا العام. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، يواجه 783 مليون شخص جوعا متزايدا، وصولا إلى مآسي العصر الجديدة، وأبرزها غزة والسودان.

إذا، لماذا يمتعض هذا النظام العالمي الجديد ويخرج إلى العلن مستنكرا نتائج أفعاله حين تُترجم بلون رمادي كئيب؟

المعادلة بسيطة.. مع إدراك المدخلات يمكن توقع المخرجات.

إن كانت المعطيات تفتقد إلى العدالة والإنسانية وتدفع إلى التطرف ونشر أجندات مريبة، وخلق عالم مادي استهلاكي زائف، وترهيب وتجويع وتخويف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام.. فالنتيجة ستكون أفرادا جاهزين للاشتعال في أيّ لحظة والتحول إلى كرة لهب مدمرة لنفسها ولكل من حولها.

لذا، نؤكد أن على هذا العالم أن يُعيد التفكير بنهجه مرارا وتكرارا.. وأن يتم وضع حد لكل الدول والحكومات والأنظمة والدول العميقة التي تستثمر في هذا الخراب لبقائها هي وحدها.

إن التطرف والندرة والتجويع والأنانية والغطرسة والترحيل والاحتكار والإقصاء والترهيب، ستنتج أجيالا غاضبة وحانقة وساخطة.. لعدم إيمان أيّ نظام أو جهة بحقوقهم، فيتحولون إلى أدوات خطرة مدمرة لنفسها وجميع من حولها.

عجز الإنسان يدفعه لخلق شياطينه، وبؤسه يدفعه لتقديم قرابين تقوده إلى الهاوية دون أيّ شعور بالذنب.. والمريب أن العالم لا يبدي أيّ تفكير لعلاج صدمات النسل البشري، بل يعمّق مأساة البشر ويدفع باتجاه إبادتهم.

أحيانا يتراءى للمشاهد أن الجهات المستفيدة بطريقة أو أخرى من الفوضى تعيش على نكبات دول وأفراد وجماعات وسعيدة تماما بأن يبقى المشهد على حاله.. رمادي اللون، لا أمل له في أيّ مخرج، ولا هو قادر على العودة إلى الوراء.

الكاتبة :ربى عياش

المصدر : العرب

 

 

قد يعجبك ايضا