التطبيع أمام اختبارات صعبة ومبادرة الإدارة الذاتية خيار واقعي لسوريا

بعد أيام على إعلان استئناف الحكومة السورية شغل مقعدها بجامعة الدول العربية، ما تزال المطالب المشروطة من قبل الدول العربية لهذه العودة وقف التنفيذ من جانب الحكومة السورية، ولا سيما البند الأهم بالنسبة لهذه الدول، وهو وقف تهريب شحنات الكبتاغون والحشيش القادمة من سوريا إلى الأردن ثم الدول الخليجية.

ففي اليوم التالي لإعلان عودة دمشق لحاضنتها العربية، وفي واقعة هي الأولى من نوعها، شنَّت طائراتٌ حربيةٌ أردنية غاراتٍ على مواقعَ لإنتاج الكبتاغون جنوبي سوريا، أسفرت عن مقتل أحد المهربين، كما فقد جميع أفراد الأسرة ومعظمهم أطفال حياتهم في الغارة، التي تزامنت أيضاً مع إعلان عمّان عرابة الدعوة للانفتاح العربي على دمشق، ضبط شحنة ضخمة من حبوب الكبتاغون وكفوف الحشيش قادمة من سوريا.

وبالتزامن مع فشل الحكومة السورية في أول اختبار لمدى التزامها بالشروط العربية، قوبلت إعادتها إلى الجامعة العربية بانتقادات من عدّة أطراف رافضة لهذا التحرك، على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا والاتحاد الأوروبي، الذين اعتبروا أنه لا تغيراتٍ على أرض الواقع بشأن الأزمة تستدعي التطبيعَ مع دمشق، مشددين على ضرورة استمرار العقوبات حتى إجراء تغيير سياسي في سوريا وفق القرارات الأممية.

قانون قيصر

لكن الأبرز في هذا الإطار كان إعلان الرئيس الأمريكي تمديد العقوبات المفروضة على سوريا والمعروفة بـ “قانون قيصر” لعام آخر، حيث قال البيت الأبيض في بيان، إنّ الرئيس جو بايدن يرى أن تصرفات النظام السوري لا تزال تشكّل تهديداً للأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد للولايات المتحدة.

ودعا البيان الحكومة السورية إلى وقف “الحرب الوحشية التي يشنها النظام ضد شعبه، ووقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وبحث تسوية سياسية حقيقية”.

ويتفق الدكتور مختار غباشي نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة مع وجهة النظر الغربية، حيث يقول إن “الظروف التي تم إفراغ مقعد سوريا بموجبها في جامعة الدول العربية ما زالت موجودة”، مؤكداً أن هذا القول هو “وجهة نظر خمس دول عربية رافضة لعودة سوريا، مع 8 دول ما زالت متحفظة” على هذه العودة.

ويرى غباشي أن إعادة الحكومة السورية للجامعة العربية تأتي من ضرورة أن “يكون هناك شكل من أشكال الضغوط الأدبية والمعنوية على النظام السياسي في سوريا، لحل المعضلة السورية من الداخل، خصوصاً عودة اللاجئين والنازحين، والإفراج عن المعتقلين، والحماية الروسية لسوريا، والعلاقة الاستراتيجية بإيران، ووجهة نظر النظام السوري في طرح الآلية التي على أساسها يكون هناك تسوية سياسية صريحة وواضحة، تطمئن الدول المترددة أو الدول الرافضة”، حيث إن إعادة سوريا بحسب الغباشي، الذي أكد على ما أعلنه الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، من أنه “اتفاق مبدئي تتبعه خطوات أخرى صعبة وليست سهلة”.

كما يشير غباشي إلى العقوبات الأمريكية والغربية وقانون قيصر، الذي “يشكل إشكالية كبيرة جداً مطلوب من العالم العربي أن يتعامل معها”، ويبدو أن الأرضية مهيأة لتدهور كبير لا يعكس إيجابيات لهذا الانفتاح العربي غير المقنّن على دمشق، حيث استمر نزيف الليرة السورية التي وصل سعر صرفها تسعة آلاف مقابل الدولار، حتى قبل الإعلان عن تمديد العقوبات الأمريكية.
فشل أمام أول اختبار
وبإلقاء نظرة فاحصة حول استجابة الحكومة السورية لأي من الشروط العربية التي سقط أهمها “وقف الكبتاغون” بالتجربة العملية سريعاً، فإن دمشق لم تقدم أي بادرة حسن نية فيما يتعلق بإطلاق سراح المعتقلين أو الكشف عن مصير المغيّبين قسرياً، أو أي ضمانات حول إمكانية عودة آمنة للاجئين المرحلين من لبنان وتركيا مثلاً إلى مناطقهم.

وحول هذا الموضوع يرى كادار بيري، مدير مؤسسة كرد بلا حدود، أن “النظام السوري عاجز عن تنفيذ هذه الشروط، لأن التحرك الإيراني بشكل مباشر بعد المبادرة (اجتماع عمان التشاوري)، وذهاب الرئيس الإيراني إلى دمشق، كان رسالة واضحة للمبادرة العربية بأننا هنا، ولا يمكنكم قطع الطريق أمامنا، ثم تصريحات الخارجية التركية والحديث عن لقاء رباعي مرتقب بين رؤساء الدول، كل هذه كانت ردوداً على المبادرة العربية، “الأسد عاجز تماماً ولا يمكنه أن يتقدم خطوة واحدة إن لم تكن هناك موافقة روسية إيرانية، لذلك لا يوجد الكثير من الأمل في أن النظام قادر أن يستجيب”.
الأسد غير جاد في الحوار


ويعتقد بيري أن الحكومة السورية ليست جادةً في الحوار مع الدول العربية، وتريد العودة بالأمور إلى ما كانت عليه قبل العام 2011، ويقول إنه “لو كان النظام يريد فعلاً حواراً مع الدول العربية، كان المفروض أن يتم طرح موضوع المعتقلين والمخفيين قسراً في سجون النظام، أن يتم تبييض تلك السجون وإعلان من لم يكن فيها كمفقودين وشهداء (…) وقت ذاك سيكون هناك جدية للمبادرة وجدية من قبل النظام”.

ويشترك الأكاديمي السوري المقيم في فرنسا فايز القنطار مع كادار بيري في هذه الرؤية، حيث اعتبر أنه “كان من المفروض أن ترتبط عودة النظام بعودة قسم كبير من اللاجئين، والإفراج عن المعتقلين، هذه الخطوات يجب ألا تخضع للتفاوض، ويشدد على ضرورة “ضمان عودة آمنة للاجئين، هناك وثائق تثبت اعتقال الكثير من اللاجئين العائدين وتعرض بعضهم للموت”.

ويتساءل القنطار عن التنازلات التي قدمها الأسد لقبوله بالجامعة العربية، ويعتبر أن استقبال الزعماء العرب للأسد سيكون “وصمة عار في تاريخ الجامعة العربية، هي أصلاً متهالكة تمثل نظاماً يقود العرب إلى الاندثار (…) إذا استمرت أنظمتهم عند هذه الدرجة من التآكل والتراخي وعدم تحمل المسؤولية والإذعان للقوى الأجنبية”، كما ينتقد القنطار تجاهل الخطوات العربية التام لـ”المعارضة السورية” في شمال وشرق سوريا وشمال غرب سوريا، وحتى “المعارضة المرتهنة الموجودة في تركيا”، معتبراً أنها ستبقى مبادرة سطحية ودون أي تأثير داخلي، وأن الأسد “سيبدع الوسائل للالتفاف على احتواء المساعدات المرسلة لنهبها وتوزيعها لشبيحته وأعوانه”.

ويتابع القنطار بأن “التعافي والانفراج الاقتصادي والخروج من الحالة المزرية التي يعيشها الشعب الآن، لن يبدأ إلا بعد تحقيق خطوات سياسية مهمة جادة، وبعد أن نقطع شوطاً في الحل السياسي، لا يمكن التفكير في إعادة الإعمار بوجود من دمر وخرّب العمران، هذا أمر مستحيل وغير منطقي، الانتقال السياسي هو الخطوة الأساسية في انفراجة الوضع السوري”.
مبادرة الإدارة الذاتية


وتقود هذه الآراء إلى ضرورة البحث عن بدائل واقعية لحل الأزمة السورية، بما يعالج جميع جوانبها، من هنا تبرز مبادرة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، من أجل الحل في سوريا، كمشروع وطني وحيد يشمل كل هذه الجوانب، في إطار وحدة سوريا.

ويصف الدكتور مختار غباشي نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، مبادرة الإدارة الذاتية بالطرح الجيد والذكي جداً، ويقول إنها (المبادرة) “حملت في طياتها بنوداً رائعة، ضمن هذه البنود أنها تحافظ على سوريا كدولة موحدة، ونجاح هذه المبادرة يتأتى من خلال الحفاظ على وحدة سوريا بأراضيها المعترف بها دولياً، وإلى حد كبير نجاح هذه المبادرة مرتبط بهذه الوحدة”.

“الأمر الثاني والمهم جداً أن الثروات الطبيعية توزع على الداخل السوري بعدالة، خصوصاً عندما يطرح هذا الأمر من إقليم شمال وشرق سوريا بما يتملكه من نفط وغاز وهو إقليم غني، يبقى توزيع هذه الثروات على عموم الدولة السورية طرح ذكي ومهم جداً، ويفرغ هذه المبادرة من شوائب من الممكن أن تطالها، والأمر الثالث استعداد هذا الإقليم لاستضافة النازحين واللاجئين أو المساهمة في استضافتهم، الأمر الرابع أن تجربة الشكل الديمقراطي الذي أدير به نظام الإدارة الذاتية داخل هذا الإقليم على مدار اثني عشر عاماً قد يكون مشجعاً على وضع إطار حل للداخل السوري يكون مقنعاً للكافة، وهذه مسألة إلى حد كبير جداً تجعل مبادرة الإدارة الذاتية محل بحث وطرح”.
أهمية المبادرة
لكن أهمية هذه المبادرة بحسب كادار بيري مدير مؤسسة كرد بلا حدود، “تأتي بالدرجة الأولى من أنها مطروحة من قبل سوريين يدركون الوجع السوري وكيف يكون الحل، وأنها تبحث إيجاد تغيير حقيقي في سوريا، وليست مبادرة تسوية أو بنود تسوية كما حدث في الجنوب، أو حلول واتفاقات بين دول تبحث عن مصالحها، وخاصة إذا أدركنا بأن هذه الدول هي روسيا تركيا وإيران، وهم أكثر الفاعلين في الملف السوري سوءاً”.

ووفقاً لكادار بيري أيضاً، فإن “هناك مقومات كبيرة وكثيرة جداً لأن ترى هذه المبادرة النور وتطبق على الأرض، وهي نقطة تضاف لأهمية طرح وتوقيت هذه المبادرة للبحث عن حلول مباشرة مع النظام، مثل ما تقوم به تركيا روسيا إيران، وهي لمصالح تلك الدول وليس لمصلحة الشعب السوري، وهو ما يتفق معه الأكاديمي السوري فايز القنطار، الذي يرى أن مبادرة الإدارة الذاتية “موقف سياسي مناسب (…) وربما تشكل نقطة مهمة بالنسبة لعودة النظام للجامعة العربية، ومحاولة الدول العربية الدخول بقوة لحل الأزمة السورية، فيمكن أن تشكل هذه المبادرة ورقة من الأوراق التي يمكن الاعتماد عليها في هذه المرحلة من قبل المتدخلين العرب في محاولة لإيجاد حل”.

“النظام” عقبة أمام المبادرة
وذهب القنطار في الاتجاه نفسه مع بيري، في أن “النظام السوري” هو المعطل والعقبة أمام مبادرات كهذه، حيث يقول القنطار “تعرفون جيداً طبيعة هذا النظام، وتعرفون جيداً كيف عمل عامداً متعمداً على إحباط كل المبادرات لحل الأزمة السورية، لا يريد أي حل سوى البقاء في السلطة، وهذه المبادرة كأنها تقفز حول هذه الفكرة الأساسية حول هذا المبدأ الأساسي من مبادئ النظام الأسدي، فبعد اثني عشر عاماً من إفشال كل هذه المبادرات كيف يمكن أن يقبل بمبادرة من هذا القبيل، لا يأبه هو بحوار السوريين ولا بمبادراتهم ولا يفهم إلا لغة الضغط والإكراه، إذا لم يتعرض لضغوط دولية وعربية حقيقية فلن يذعن ولا لأي مبادرة”.

أما كادار بيري فيقول إن “أي محاولة أو حلول تطرح من الإدارة الذاتية دائماً يكون النظام هو العائق، لذلك المفروض من الدول العربية التي طرحت حلولاً مع النظام كعودته للجامعة العربية أو فتح سفارات، بأن تعمل على حوار سوري سوري برعاية عربية، لا كما يحاولون طرح الموضوع برمته وكأنه تعويم للنظام وإعادة سوريا إلى ما كانت عليه قبل العام ألفين وأحد عشر، هذا الأمر مرفوض ومحال، الدول العربية عليها أن تأخذ المبادرة بعين الاعتبار وتكون نقطة أو إحدى النقاط التي يتم وضعها أمام النظام من أجل عودة العلاقات”.
التسوية السياسية
وفيما يخص التسوية السياسية المتوقعة في سوريا، فإن كلاً من بيري والقنطار يؤكد على أن هذه التسوية لن تتحقق دون توافق دولي وضغط دولي كبير على الحكومة السورية، مع الأخذ بعين الاعتبار المخاطر الكبيرة المحدقة بسوريا ووحدة أراضيها، حيث يلفت القنطار إلى أن يتفق “مع الأخوة (الإدارة الذاتية)، بأن الأرض السورية أصبحت مهددة من القاصي والداني، ما الذي دفع ثلث الشعب السوري ليعيش تحت السيادة التركية؟ والذي الآن يتعلم في المدارس اللغة التركية، ويتعامل بالليرة التركية، وكل هذا يشكل خطراً على المستقبل السوري، ولكن هذه نتيجة لوحشية النظام الذي يجعل أبناء البلد يحتمون بالأجنبي هرباً من وحشية النظام”.
الحضور الأمريكي
لا تسوية سياسية في سوريا دون الموافقة الأمريكية وفقاً لكادار بيري، “لن تكون هناك حلول إن لم تكن هناك موافقة أمريكية باستثناء عندما نتحدث عن حل سوري سوري، بما يضمن إحداث تغيير حقيقي في بنية هذا النظام المركزية التي يستمد قوته منها، بحيث يتحول هذا النظام إلى نظام لا مركزي أو فيدرالي أو إدارات ذاتية حسب ما يتفق السوريون” (…) وأمريكا حاضرة في الملف السوري عبر دعمها لقوات سوريا الديمقراطية وللإدارة الذاتية وهذا يعني بالمحصلة تغييب الإدارة الذاتية عن أي حوارات أو مفاوضات جادة من أجل حل في سوريا لن يجدي، وكل تسويات جنيف وأستانا وسوتشي حيث كان يتم تغييب الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وتغييب الكرد لم تبصر النور لأنها كانت غير جادة وناقصة ويتم تغييب قسم كبير من الأرض السورية والسكان السوريين، أمريكا موجودة عبر دعمها لقسد واستبعاد هؤلاء
يعني لا حل”.
إعداد وتحرير
ضياء التمر

قد يعجبك ايضا