التسويات.. سلاح الحكومة السورية لإخضاع مناهضيها

بعد أن دَكَّتِ المدنَ والمناطقَ بمختلف أنواع الأسلحة والطائرات، متّبعة سياسة الأرض المحروقة لإخضاع المنتفضين ضدّها وبعد أن نجحت في دفع الكثيرين منهم إلى العسكرة، لجأت الحكومة السورية إلى سياسة تخدير الجبهات من خلال ما يعرف بالتسويات أو المصالحات برعاية روسيّة، لتطويع معارضيها وضبط تحركاتهم بشكلٍ مؤقّت، كَي تتسنّى لها العودة إلى قمعهم في وقتٍ لاحق، وإحكام سيطرتها على مناطقهم.

نموذجٌ أرادت الحكومة السورية منه إلى جانب الخيار العسكري إعادة الأوضاع إلى سابق عهدها قبل عام ألفين وأحد عشر، وتمييع المطالب الشعبية وإلغائها، بإظهار المنتفضين والمعارضين بمظهر مجرمين منّت بالصفح عنهم، إلّا أنّ مخططاتها سرعان ما تكشّفت لمعظم السوريين، مع عودة القمع والتضييق والملاحقة للمنخرطين في تلك التسويات، ولا سيما في دمشق ودرعا اللتين وَقَعَتا قبل غيرهما في ذلك الفخ، في ظل فشل روسيا وتنصّلها من الالتزامات التي تعهدّت بها عندما قدّمت نفسها ضامنة لاتفاقات التسوية.

الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة طفس بريف درعا الغربي كانت خيرَ دليلٍ على زيف ما روّجت له دمشق وموسكو عن التسويات خلال سنوات، إذ شهدت المدينة محاولةَ اقتحامٍ فاشلةً من قبل قوات الحكومة، أسفرت عن مقتل أحد عشر عنصراً من عناصر الفرقة الرابعة التابعة لها، وعددٍ من المسلحين السابقين في الفصائل المسلحة، ممن أجروا مصالحاتٍ وتسوياتٍ بضمانة روسيا، التي هدّدت باستخدام سلاح الجو ما لم تنفّذِ المطالب الحكومية المتمثلة بتسليم المطلوبين وأسلحتهم خلال اثنتين وسبعين ساعة، أو مغادرتهم إلى محافظة إدلب، تجنباً لشنِّ عمليّةٍ عسكريةٍ واسعة.

قبل طفس كانت عدّة مدن ومناطق في محافظة درعا مسرحاً لانتهاكات قوات الحكومة وأفرعها الأمنية، وساحة لتنفيذ الاغتيالات والتفجيرات وعمليات الاعتقال، التي طال معظمها المنخرطين في التسويات، ولم يشفع انخراط بعضهم في صفوف قوات الحكومة أو ما يسمّى الفيلق الخامس الذي أسسته روسيا بالإفلات من تلك العمليات، والتي كان آخرَها اعتقالُ عددٍ من عناصرِ التسويات وزجّهم في السجون والمعتقلات، في دمشق وريفها وريف القنيطرة.

الاغتيالاتُ وإنْ نُسِبَت لمجهولِينَ والتفجيراتُ والاعتقالاتُ ليست كلَّ ما يعانيه سكّان المناطق الخاضعة للتسويات، فتضييق الخناق على السكان وإهانتهم عند الدخول أو الخروج من قبل حواجز قوات الحكومة وإجبارهم على دفع إتاواتٍ من أجل السماح لهم بالمرور ومنع دخول بعض الأدوية والمستلزمات، بات نهجاً في تلك المناطق ومنها بلدة كناكر بريف دمشق الغربي، التي اعتقلت قوات الحكومة ثلاثة من أبنائها عند توجههم للعاصمة دمشق، فضلاً عن حرمان الخاضعين للتسويات من خدمات المؤسسات الحكومية والعمل فيها.

فأيُّ مستقبلٍ تريده دمشق وموسكو للسوريين، من نموذج التسويات التي يرى مراقبون أن الهدف منها إعادة تلميع السلطات الحاكمة وشرعنة جرائمها ضد المدنيين، بتقديم حراكهم للعالم على أنّه تمرّد قاده إرهابيون وخارجون عن القانون، يجري العمل على احتوائه بالمصالحات، وهل ينقلب السحر على الساحر باستعادة تلك المناطق مجدداً زخم حراكها السلمي ضد السلطة، أم أنها ستستسلم لمشاريع الحكومة وحلفائها.

قد يعجبك ايضا