التسلل بدأ بمسلسل..

كل عواجل فضائياتنا خاصة في بث الحدث العراقي والسوري واللبناني والمصري والليبي لا بل والفلسطيني والإسرائيلي، كلها ليست أخبار عاجلة بل موغلة في قدمها، تابعناها على موائد إفطارنا في مسلسلات رمضان قبل عقدين أو ردحين من الزمان.
مذ تسللت المسلسلات المدبلجة مكسيكية في ثمانينيات فتركية في تسعينيات القرن الماضي، لمحت شيئا ما يدعو إلى الريبة والقلق. مظاهر واحدة جمعت ما بين الجمهور الشامي على المغربي كما يقال، وهو خليط من الاندهاش والانبهار شيئا فشيئا ليتحولا الى استلاب للعقول واستباحة للضمائر والوعي الجمعي للجمهور المتابع بشره ما يعرف في أميركا بمسلسلات “ستات البيوت” أو مسلسلات الصابون التي تنسلّ في رغوتها فقاعة من فقاعة حتى تحيل واقع المشاهد وخياله إلى فقاعات يتنافخها المنتج والمسوق الإعلاني كيفما شاء.
ومذ ان بحّت حناجر الطابور الخامس والسادس إياه تباكيا على الإسلام والمسلمين كلما لاح مسيء – دائما يكون ظهوره مبرمجا – تتوالى دعوات مقاطعة المنتج الدنماركي مثلا بعد أو قبيل أن يتولى وكيل آخر ترويج منتج تركي بديل كالقشطة (الكريمة) اللازمة لقطايف رمضان الفضيل. ويا سبحان الله، لا يخلوا الأمر من حملة تشكيك باسم الغيرة على الصناعة الوطنية وصحة المستهلك، تستهدف المنتج المحلي بدعوى تحسين جودته أو ترخيص أسعاره. وما هي إلا بضع سنين حتى تتولى المخابرات التركية العسكرية وبمنتهى الوقاحة تفكيك وسرقة مصانع حلب مثلا وترحيلها قطعة – قطعة على ظهر بغال الإرهاب والارتزاق والتهريب إلى تركيا عبر “غازي عنتاب” مثلا التي تولى قبل سنوات مسلسل تركي مدبلج مسؤولية تحويلها إلى أيقونة للجهاد الإسلامي والنضال الوطني السوري ضد الانتداب الفرنسي، الله أكبررر!
المسألة لا تقف عند الدبلجة التركية وإنما المنتج الدرامي “الإسلامجي” العربقومجي الذي تم الصرف عليه ببذخ. إقراء ما بين السطور وخلف المشاهد. لست بحاجة إلى أن تكون ناقدا دراميا لترى عملية الإعداد النفسي – الفردي والجمعي – لكل ما تسبب بذبح فريق ممن رضي الله عنهم لفريق آخر ممن رضي الله عنهم عبر قرون التيه العابرة لحدود ما قبل سايكس – بيكو وبعدها. مسلسل “الحجاج” على وجه الخصوص لعب دورا في غاية الخطورة لنهج التكفير والتوحش وهما البذرتان الشيطانيتان اللتين زرعهما سيد قطب وأبو بكر ناجي منظرا الإخوان وداعش: وهما وجهان لعملة واحدة تحار في أيهما أكثر قبحا من الآخر.
وفي المشهد السوري تحديدا، أرى أن مسلسل “زمن العار” كان بحق بداية إظهار التوحش في العلاقات الأسرية والمجتمعية. أما إمعان الهروب من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي السوري إلى الماضي عبر بوابة العصملي والفرنسي، فقد أدى بنا إلى استنساخ واجترار مآسي الماضي عوضا عن الاتعاظ بها. صار علم سوريا بثلاث نجمات مطية لإرهابيي العالم ومن ضمنهم أحفاد العثمانيين القدامى، وعاد التاريخ لتشغيل أسطوانة الخونة ذاتها في ترحيل الخناجر والبنادق من الساحة السورية إلى الليبية تماما كما حصل قبل قرنين أو ردحين من الزمان!
هذه دعوة مبكرة قبل نحو عشرة أشهر من رمضان الكريم المقبل لإعداد دراما تستنهض الروح الإنسانية والحضارية والوطنية بين الناس. قد تكون من شروط الإعداد الأولى النأي ما أمكن عن اللغة العربية الفصيحة والكف عن المدبلج خاصة السم التركي في الدسم (حريم السلطان) وأشباه الوحوش العثمانيين القدامى والجدد من المتشبهين بالبشر..
عودوا إلى اللهجة المحلية التي يتداولها الناس بعفوية وأمان تحت سقوف بيوتهم. تحدثوا بلسان سوري مبين كذلك اللسان الذي أبدع في “الخربة” و”ضيعة ضايعة”.. حينها فقط والله، والله ليوصل “عواهم لقبرص” وأعني بذلك الإرهابيين والمرتزقة ومشغليهم في الداخل والخارج. و يا هملالي..

بشار جرار

 

قد يعجبك ايضا