الإبادة الجماعية بين الاستذكار والإنكار والضحايا بالملايين

شهد التاريخ البشري عبر مراحله الطويلة العديدَ من الحروب والنزاعات، التي أفضت في نهايتها إلى القضاء على مجموعاتٍ بشريةٍ كثيرة، عرقيةٍ كانت أم قومية، دون أي محاسبةٍ أو حتى مجرد اعترافٍ بهذه الجرائم والمجازر.

ومع إنشاء الأمم المتحدة مُنتصف القرن العشرين تم تصنيف الجرائم التي تستهدف طائفةً من الشعب على أساسٍ دينيٍّ أو عرقي أو قومي أو سياسي، بأنها جريمةٌ دوليةٌ وذلك خلال اتفاقيةٍ خاصة.

أما مصطلح الإبادة الجماعية المشتق من كلمة “geno” اليونانية والتي تعني سلالةً أو عرقاً أو قبيلة، وكلمة cide”” اللاتينية التي تعني القتل، والذي صاغه أوّل مرةٍ المحامي البولندي اليهودي رافائيل ليمكين، فيشير إلى أي خطةٍ مُنظمةٍ تتألف من إجراءاتٍ مختلفة تهدف إلى تدمير الأساسيات الضرورية لحياة مجموعاتٍ قومية، بهدف إبادة المجموعات نفسها.

حاول ليمكين في عام 1944، وضعَ وصفٍ للسياسات النازية في القتل المنظم والتي لحقت بالشعب اليهودي الأوروبي، وفي العام التالي، وجّهت المحكمة العسكرية الدولية في مدينة “نورمبرغ” بألمانيا الاتهامات إلى كبار القادة النازيين بارتكاب “جرائمَ ضد الإنسانية.”

تابع ليمكين جهودَهُ في أعقاب الهولوكوست، فأقرَّت الأمم المتحدة في التاسع من كانون الأول ديسمبر عام 1948 اتفاقيةً تقضي بمنع جرائم الإبادة الجماعية ومعاقبة مُرتكبيها. واعتبرت هذه الاتفاقية “الإبادة الجماعية” بمثابة جريمةٍ دوليةٍ تتعهد الدولُ الموقعة عليها “بمنعها والمعاقبة عليها”.

ومن أشهر الإبادات الجماعية التي ذُكرت في التاريخ الحديث، المحرقة اليهودية أو الهولوكوست، والتي راح ضحيتها ملايينُ اليهود خلال فترة الحرب العالمية الثانية (1939-1945) بسبب هويتهم العِرقية والدينية على يد الحُكم النازي في ألمانيا.

دُبِّرت عمليات القتل من قبل الحزب النازي الألماني، بقيادة أدولف هتلر، الذي كان يستهدف اليهودَ بشكلٍ رئيسي، لذا فالعددُ الأكبر من ضحايا المحرقة كان منهم. وتشير الأرقام إلى أن سبعةً من كل عشرةٍ من اليهود في أوروبا قُتلوا بسبب هوياتهم.

مليون ونصف مليون أرمني سيقوا إلى الموت بدم بارد
إبادةُ اليهود سبقتها بنحو ثلاثة عقودٍ إبادةٌ أخرى بحق الأرمن، والتي يعتبرها المؤرخون أول عملية إبادةٍ جماعيةٍ في القرن العشرين، إذ يُقدِّر المؤرخون أن حوالي مليونَي أرمنيٍّ كانوا يعيشون في أراضي السلطنة العثمانية مع بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914. وبحلول عام 1922، انخفض عددهم إلى 400 ألفٍ فقط.

شهدت إبادةُ الأرمن عمليات قتلٍ وترحيلٍ قسري ممنهج، نفذتها حكومة “حزب تركيا الفتاة” التي كانت تحكم السلطنة العثمانية ضد الرعايا الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى (1914-1918). ويقدَّرُ عدد ضحايا الأرمن بنحو مليونٍ ونصف المليون، قتلهم العسكر بدمٍ بارد، حتى الأطفال والشيوخ والنساء لم يسلموا من تلك المذابح.

ففي القرن التاسع عشر ناضل الأرمن لإثبات حقوقهم المسلوبة لدى السلطنة العثمانية، وتعاظم نفوذُ الطبقة المثقفة بين الشعب الأرمني، مما أثار الاستياء لدى العثمانيين، أضف إلى ذلك أن نشاط الثوار الأرمن أجَّج مشاعر الخوف والقلق لدى العثمانيين، وعندما رفض الأرمن في منطقة ساسون في العام 1894 دفعَ ضريبةٍ جائرة، قتل العثمانيون الآلافَ منهم في المنطقة، في واقعةٍ عُرفت فيما بعد بمذابح الحميدية، تلتها سلسلةٌ أخرى من عمليات الإبادة الجماعية، لتشمل عشرات الألوف من المدنيين الأرمن خلال الحرب التركية الأرمنية في عام 1920م.

ويقول الأرمن إن الآلاف من أسلافهم تعرضوا للتعذيب والاغتصاب ومصادرة الممتلكات. وسِيق كثيرٌ منهم لمسافاتٍ طويلةٍ عبر الجبال والسهول بلا طعامٍ أو شراب. فكان مَن لم يُقتل في “المذابح” مات جوعاً أو عطشاً أثناء عملية الترحيل.

اعترفت تركيا في الفترة الواقعةِ بين عامَي 1919 – 1920 تحت ضغوطٍ دوليةٍ كبيرة، بالإبادة الجماعية بحق الأرمن، إلا أنه ومع ظهور الحركة القومية التركية تراجعت عن الاعتراف وأصدرت عفواً عاماً عن الجُناة.

وعلى الرغم من أن إنكار الإبادة هو استمراريةٌ للإبادة نفسها، تواصل الحكوماتُ المتعاقبة منذ تأسيس الدولة التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك اعتمادَ سياسة الإنكار وترفض الاعتراف بالإبادة الجماعية.

إيزيديو سنجار…. ضحايا إبادة ينتظرون الإنصاف
أمّا مَن يدعي اليوم أنهم أحفاد السلطنة العثمانية والمتمثلين بالنظام التركي، فيبدو أنهم قد ورثِوا عن تلك السلطنة الحقدَ والكره تجاه سكان المنطقة الأصليين، فأكملوا أو ساهموا في ارتكاب سلسةٍ من الجرائم والإبادات الجماعية بحقهم، إذ تشيرُ تقاريرُ صحفيةٌ إلى أن النظام التركي، فتح حدوده بشكلٍ كاملٍ أمام العناصر الإرهابية للالتحاق بتنظيماتٍ في سوريا والعراق، والذين ارتكبوا عمليات إبادةٍ جماعية ضد الإيزيديين في جبل سنجار شمالي العراق، إبّان سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مناطقَ واسعةٍ هناك عام ألفين وأربعة عشر.

ففي آب/ أغسطس من عام ألفين وأربعة عشر، تعرض الإيزيديون في سنجار لجرائمَ وانتهاكاتٍ جسيمةٍ على يد داعش، قُتل خلالَها آلافُ الأشخاص وهُجّر عشراتُ الآلاف وأُخذت أكثرُ من ستة آلاف امرأةٍ إيزيدية كـ”سبايا” لدى التنظيم الإرهابي.

وبعد أكثرَ من تسع سنواتٍ على الإبادة التي تعرَّض لها الإيزيديون في سنجار على يد تنظيم “داعش”، لا يزال هذا المكوِّنُ يعاني “نزوحاً مستمراً”، ويشكو من “بطء الحكومة العراقية وعدم جديتها” في التعامل مع قضاياه العالقة، لا سيما تلك المتعلقة بالفتيات المختطفات، وإعادة بناء وتأهيل مناطقهم.

وسبق هذه الإبادة الجماعية التي قام بها تنظيم داعش الإرهابي عدة حملاتٍ عسكريةٍ عثمانية على مناطق الإيزيديين في سنجار وغيرها من المناطق الأخرى، إلا أنها لم تستطعِ القضاءَ عليهم، لإصرارهم على التمسك بأرضهم، وتمكُّنهم من المقاومة بشكلٍ مستمرٍ من خلال اللجوء إلى جبل سنجار، الذي كان دائمًا الملاذَ الآمن.

واليوم بعد مرور 75 عاماً على الاتفاقية التي أقرَّتها الأمم المتحدة، والتي تمنع حدوث إباداتٍ جماعية، لا يزال العالم عاجزاً عن وقف آلة القتل الجماعي وتطبيق القانون في محاسبة ومعاقبة مُرتكبيها، وما يزال بعض الجُناةِ طلقاءَ دون حتى توجيه اتهامٍ عن المسؤولية في تلك الإبادات، وما يزال هناك مجموعات بشرية كثيرة تُقتل بسبب عرقها أو دينها وتجد نفسها في مرمى نيران القتل والإبادة والتهجير.

قد يعجبك ايضا