أوروبا وأردوغان والثرثرة

قمة جديدة للاتحاد الأوروبي لا تفرز موقفاً ضد البلطجة التركية شرق المتوسط، تجدد فقط التهديد بفرض عقوبات يدعي “السلطان” أنه لا يخشاها، بل تزيده إصرارا على المضي في مشاريعه التوسعية التي لا تكترث لشركائه في حلف شمال الأطلسي، ولا تهتم لما صار إليه واقع الأتراك في حرياتهم واقتصادهم وسياستهم الخارجية.

بات واضحا أن دولاً في الاتحاد الأوروبي تتمسك بتعقلها إزاء “رعونة” الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بينما يزداد غضب وسخط دول أخرى إزاءه. ولأن الخيارين لا يلتقيان حاليا في التعامل مع الأزمة، يؤجل الأوروبيون قراراتهم بينما يمضي أردوغان في تنقيبه عن الغاز وإجراء تدريبات عسكرية شرق المتوسط.

يبدو الأمر وكأن الاتحاد الأوروبي يعيش عجزاً في التعامل مع تركيا، وتخلو جعبته من الإجراءات التي يمكن أن يتخذها ضدها، ولكن الحقيقة أن قرارات التكتل يجب أن تؤخذ بإجماع كامل الأعضاء. والإجماع تجاه أنقرة لن يقع إلا عندما تنضج الظروف، وتُستنفذُ فرص إقناع أردوغان بحقيقة أن زمن السلاطين قد انتهى.

وتقود ألمانيا معسكر الإبقاء على شعرة معاوية مع تركيا، للمستشارة أنجيلا ميركل حسابات كثيرة تحكم الرد على نزق أردوغان، أولها أن بلادها تلتزم بحكمة القائد لتكتل يعاني عدة أزمات اقتصادية وصحية وسياسية، وليس آخرها أن المرأة الحديدية لا تريد أن تنحدر إلى “الحضيض” الذي وصله “السلطان” في غيه وثرثرته.

يريد أردوغان أن يجر الاتحاد الأوروبي إلى حرب صغيرة، أو انقسام لا يلتئم، أو إجراء لا تحمد عقباه، فيخرج منتصرا، ليس لأنه بذلك قد يضمن توسيع حدود نفوذه، وإنما لأنه يكون قد عمم على التكتل لغة الثرثرة التي أوصلت بلاده إلى ما هي عليه من تدهور اقتصادي وحقوقي وسياسي.

ينتظر “السلطان” أن تتحول دول الاتحاد الأوروبي إلى نسخ من تركيا الأردوغانية التي لا صوت يعلو فيها على صوته، ولا أهداف تقارب في أهميتها تلبية رغبات الزعيم وعائلته وحاشيته، يحلم بدول مهترئة اقتصاديا وسياسياً في جواره ليبتلعها، وهو من بات يخلق النزاعات ويغذيها ليقتات عليها ويعيش في كنفها.

يدرك الألمان ودول أوروبية عدة خطورة أن يجرهم أردوغان إلى أرضه في أزمة شرق المتوسط، ويعرفون أيضا أنه من الأفضل التروي قبل أي إجراء لمعالجة الأزمة إلى حين انتهاء انتخابات الرئاسة الأمريكية. فالإدارة القادمة للبيت الأبيض، سواء بقي دونالد ترامب أو فاز جو بايدن، لن تقف على الحياد أو تؤيد أردوغان.

عامل الوقت في هذه الأزمة مهم للغاية بالنسبة للأوروبيين والأتراك على السواء، الاتحاد الأوروبي يحتاج التروي في ترتيب أولوياته في الأزمات الخارجية والداخلية التي تواجهه، وأردوغان يحاول استغلال الوقت لخلق أمر واقع جديد يكون أساس التفاوض مع جيرانه الأوروبيين بعدما تهدأ عاصفة الانتخابات الأمريكية.

إن كان أردوغان يتجول بسفنه شرق المتوسط، ويشن المعارك الخطابية على الأوروبيين، فهذا لا يعني أنه ربح الحرب، هو يحاول تصوير نفسه كذلك لأن البطولات الدونكشوتية هي ما بات يقتات عليه “الديكتاتور” و”آمر السجن” الذي يضم اليوم عشرات الآلاف من المعارضين له، كما وصفته صحيفة واشنطن بوست.

حتى رفاق الدرب السابقين والمؤسسين معه لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، يرون في أردوغان سبب تدهور اقتصاد الدولة، وتراجع الحقوق والحريات فيها، يفضحونه على المنابر ليل نهار، ويتمنى لو كان بإمكانه اعتقالهم وزجهم في السجن بواحدة من التهم التي يستخدمها مع الكرد والأكاديميين والصحفيين والحقوقيين.

كرر الأوروبيون خلال قمتهم الأخيرة تحذير أردوغان من مواصلة أنشطته شرق المتوسط، جاء التحذير صريحا ًعلى لسان ألمانيا التي تحاول لعب دور الوسيط بين تركيا واليونان، وهذا معناه أن فرص التسوية بين الطرفين تقل، والاتحاد الأوروبي يدنو بسرعة من التوحد خلف قرار فرض العقوبات على تركيا والقطيعة معها.

القمة الأوروبية القادمة لبحث الاستفزازات التركية ستعقد في شهر ديسمبر/ كانون الأول المقبل، حينها سيتضح كل شيء يحتاجه التكتل لاتخاذ قرار، ولن يكون أمام بروكسل سوى مشكلة “أردوغان” لمعالجتها. ستنتهي أزمة بريكست مع بريطانيا، والموجة الثانية من وباء كورونا، ويعرف العالم من رئيس أمريكا حتى 2024.

حتى ذلك الوقت لن يتوقف أردوغان عن التنقيب، ولا عن خلق النزاعات وإشعال الجبهات في المنطقة والعالم. لم يعد بوسعه فعل أي شيء آخر، لأنه لا يفكر إلا بإحياء حلم اندثر. لقد بلغ “السلطان” في عجرفته حدا اختلط فيه الحقيقي والوهمي، وبات يعيش في ظله نوعاً من الفصام بين واقعه وأحلامه.

لم يعد أردوغان قادراً على التصالح مع نفسه كرئيس وليس إمبراطوراً. ليس هو فقط وإنما كل حاضنته من الإخوان وأبواق الإسلام السياسي حول العالم. لذلك هم ينشرون في العالم العربي تلك الخزعبلات التي تقول إن “السلطان” يقود حرباً مقدسة على الأوروبيين، وما خصومة العالم معه إلا خوفا ورهبة.

المشكلة في خطاب أتباع أردوغان أن الدول العربية لم تعرف العثمانيين إلا محتلين، كما أن شعوب المنطقة ملت الحروب المقدسة التي تستعبدهم لصالح طاغية لا يفعل شيئاً لتحسين حياتهم على أي صعيد كان. أما بالنسبة للأوروبيين والغرب عامة فإن هذا الخطاب يذكرهم بمثل شعبي يقول: ” إن الثرثرة لا تسدد الضرائب”.

الكاتب: بهاء العوام

المصدر: العين الإخبارية

قد يعجبك ايضا