أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية بين دعم دولي مشروط وتعنت القوى السياسية

بين أكتوبر غادر به سعد الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية وأكتوبر آخر أعاده مُكلّفاً بالمنصب، ما يزال لبنان وأزماته المتراكمة بانتظار الحل، الذي لم يلح في الأفق بعد أي بوادر له مع استمرار العراقيل في طريق تشكيل حكومة لبنانية جديدة.

السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، كان تاريخاً حاسماً في الحياة السياسية للبنان بشكل عام وحياة الحكومة بشكل خاص، إذ بدأت التظاهرات في العاصمة اللبنانية بيروت إثر فرض حزمة جديدة من الضرائب، والتي كانت القشة التي قصمت ظهر الشعب اللبناني المثقل أصلا تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي تعانيها البلاد.

استمرار الاحتجاجات وامتدادها لبقية المدن أجبر رئيس الحكومة سعد الحريري على تقديم استقالته، ليدخل بعدها لبنان في حالة فراغ سياسي.

وفي محاولة لحل أزمة الحكومة كلف الرئيس اللبناني، ميشال عون، بعد مشاورات نيابية، الوزير السابق حسان دياب بتشكيل الحكومة، ورغم سعي الأخير لتهدئة الشارع المنتفض من خلال وعوده بتشكيل حكومة تكنوقراط، والتي كانت أحد مطالب المتظاهرين إلا أن ذلك لم يخفف زخم المظاهرات التي استمرت بوتيرة قوية حتى ظهور أزمة فايروس كورونا، وما رافقها من تداعيات.

حكومة دياب التي كانت تضم وزراء محسوبين على أحزاب سياسية كبرى في البلاد،
بدأت مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على مساعدة تنقذ الاقتصاد اللبناني، لم يكتب لها العيش سوى بضعة أشهر، مع إعلان حسان دياب استقالته إثر انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب.

حادثة الانفجار الذي راح ضحيته حوالي مئتي شخص، والآلاف من الجرحى، جاءت لتزيد من ضبابية المشهد السياسي، إذ أعادت الأمور إلى المربع الأولى حيث الفراغ يتصدر حياة لبنان السياسية.

العودة لحالة الفراغ السياسي حاول ميشال عون تداركها من خلال الإسراع بتكليف رئيس وزراء جديد، وكان الخيار هذه المرة، سفير لبنان لدى ألمانيا، مصطفى أديب، محاولةٌ كُتِب لها الفشل إثر تقديم أديب اعتذاره عن تشكيل الحكومة بعد شهر فقط من تكليفه، بسبب عدم توافق الكتل السياسية ومحاولتها تسييس التشكيلة الحكومية، وفق ما أعلنه أديب.

ومع هذا المشهد السياسي المعقد، حيث الانقسامات السياسية، وازدياد الاحتقان الشعبي ضد الطبقة الحاكمة، والمبادرة الفرنسية المشروطة بإجراء الإصلاحات، ومفاوضات لبنانية -إسرائيلية حول ترسيم الحدود، واقتصاد متهالك تحت وطأة دين يبلغ أكثر من تسعين مليار دولار، جاء تكليف زعيم تيار المستقبل سعد الحريري لتشكيل الحكومة.

الحريري الذي تعهد أيضاً بتشكيل حكومة اختصاصيين والالتزام بمبادرة ماكرون، بدأ سباقه مع الزمن من أجل تشكيل حكومته التي لم ترى النور بعد، رغم مضي أكثر من شهر على تكليفه.

إذا مع هذا الواقع المتشابك الناتج وفق مراقبين عن صراع مصالح، يبدو في ظاهره بين القوى السياسية اللبنانية، لكنه في الحقيقة صراع مصالح إيرانية، أمريكية، فرنسية، ما الذي يمكن أن يفعله الحريري من أجل إتمام حكومته للبدء في عملية الإصلاح وانتشال لبنان من أزمة تبدو كرمالٍ متحركة تحاول ابتلاعه وجره نحو الأسفل.

قد يعجبك ايضا