أردوغان ما بين رمال متحركة ومرتزقة متحركة وحدود متحركة

في 13 أكتوبر 2019 طَلَّ علينا السيد ترامب في تغريدة عبر حسابه بموقع تويتر ملفتة للانتباه كعادته قائلًا: “نفس الأشخاص الذين أدخلونا إلى رمال الشرق الأوسط المتحركة، حيث انُفقت 8 مليارات دولار وراحت آلاف الأرواح، يقاتلون الآن لإبقائنا هناك”. وأضاف: “لا تستمعوا لهؤلاء الذين لا يملكون حلا. لقد ثبت أنهم حمقى”. انتهى الاقتباس.

طبعًا لم تكن هذه التغريدة صادرة عن قناعة وثقة من السيد ترامب في أنه بالفعل هذه المنطقة لا تحتوي سوى الرمال المتحركة والموت، بل وحسب اعتقادي أنها فقط افساح المجال لتركيا كي تتوغل وتحتل بعض المدن في الشمال السوري وفق تفاهمات ترامبية-اردوغانية، تدخل في حسابات التجارة التي بين الدولتين والتي يديرها صهر اردوغان بيرات البيرق وصهر ترامب جاريد كوشنر.

يسعى السيد ترامب إلى أن يوهمنا بأنه ليس له أية مصلحة في هذه المنطقة ذات الرمال المتحركة والتي لا تعني له سوى الموت. لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا حيث لا يمكن للتجارة والاقتصاد أن تنمو وتتوحش إلا عبر الرمال المتحركة التي لا تعرف الحدود، وفق سياسة الشركات العابرة للحدود وكذلك للقوميات. إنه منطق ما بعد الحداثة التي تأسست وفق منطق الرأس مال المالي وتحقيق الربح الأعظمي من خلال قتل الآخر وموته. أي أساس الرأس مال الناهب لخيرات الشعوب هو أن تكون هناك رمال متحركة وموت لا غير، وإلا لا يمكن للرأسمالية الناهبة أن تسرق ما تريد.

كانت مسبقًا الرأسمالية التجارية والصناعية تعمل بنفسها من أجل الربح الأعظمي الذي تجنيه من خلال نهبها لثروات الشعوب، وهذا ما كان لهم في الحربين الكونيتين الأولى والثانية في توزيع وتقسيم الدول وفق منطق المنتصر في هاتين الحربين على أساس إيجاد مناطق المواد الخام وبنفس الوقت السوق لتصريف ما يتم صناعته وانتاجه. أي أنها هذه الدول الرأسمالية كانت على رأس عملها من خلال شركاتها الناهبة وتحت أسماء شتّى. إن كانت شركة الهند-البريطانية التي كانت تسيطر على تجارة التوابل ما بين الهند الصينية وأوروبا، وبعدها البريطانية-الهولندية التي كانت تسيطر على قناة السويس وما يمر من خلالها، وبعدها مئات الشركات التي انتشرت في مشرق المتوسط وافريقيا لنهب النفط والماس والذهب.

الآن ونحن ندخل مرحلة تاريخية متطورة أخرى جددت الرأسمالية من نفسها وأدواتها بعدما كانت مانيفاكتورا وتجارية وصناعية باتت الآن رأسمالية المال المالي التي تحقق الربح الأعظمي من لا شيء ومن غير تعب عن طريق البنوك والبورصات المنتشرة في كل دول العالم. والتطور التكنولوجي والمعلوماتي المتغول والمنتشر كاللوياثان في المنطقة بات يفرض على هذه القوى المهيمنة على المال العالمي بأن تبتعد هي عن الشكل الكلاسيكي للاحتلال المباشر ما دام ثمة أسلوب آخر يحقق النجاح والربح الأعظمي ولكن هذه المرة عبر الأدوات والوكلاء، وهنا مربض الفرس كما يُقال وما نعايشه الآن من حالة الفوضى المنتشرة في المنطقة عن طريق وكيل مشروع الشرق الأوسط الجديد اردوغان والأدوات وما أكثرهم من جماعة الاخوان المسلمين والقاعدة والنصرة وداعش وباقي ما تبقى من مسميات لأنهم في النهاية ليسوا سوى أدوات.

منطقة مشرق المتوسط كانت عبر آلاف السنين مهد الحضارة الإنسانية والمدنية التي علمت البشرية معظم العلوم الفلكية والجغرافية والطبية وأهم من كل ذلك اخترعت الكتابة فيها ومنها انتشرت إلى العالم. هذه المنطقة لم تكن أمكنة للرمال المتحركة والموت بقدر ما كانت مهد لحضارة ما بين النهرين ومدنية مصر القديمة والمنطقة الوحيدة التي ظهر في الأنبياء والرسل والكتب السماوية، وكانت منطقة إلهام وأمل وعلم لليونانيين والرومان وكل من حاول أن يتوغل في هذه المنطقة. لكنهم مع الأسف الكل عادوا كما توغلوا بخفي حنين وإن طال الزمن. في هذه المنطقة لا يمكن لأي ثقافة أخرى أن تنمو فيها كما لا يمكن لأي زهرة أن تنمو إلا على جذورها ولا تقبل الغرباء مهما غيروا من لون جلدتهم.

سيد ترامب هذه هي حقيقة المنطقة وليست كما ترسمها في مخيلتك على أنها رمال متحركة وأنك سعيت مع اردوغان لصناعة مرتزقة متحركة أيضًا مستعدين أن يقتلوا في أي مكان كالعبيد من أجل حفنة من المال أو ترضى عنهم آلهتهم الرأسمالية المنافقة. وكذلك الحدود المتحركة التي رسموها هم بأيديهم قبل قرن من الآن ويريدون إعادة رسمها وفق هيمنتهم على المنطقة من جديد لتكون متوفقة مع نهبهم لما تبقى من خيرات في المنطقة.

لتعلم تلك التي جعلت من نفسها آلهة تتحكم بمصائر الشعوب في المنطقة والعالم من قوى الهيمنة العالمية والتي لا يهمها شيء سوى الربح الأعظمي إن رمال هذه المنطقة ثابتة لأهلها الذين يمتلكون أرقى تاريخ وثقافة علمت العالم معنى التقدم، ومتحركة لكل من يسعى للعب برمالها من أجل منافعه الخاصة ولن تكون له ولأدواته كأردوغان ولمرتزقته إن كانوا في سوريا والعراق وليبيا واليمن ولحدوده التي يرسمها سوى الموت المحتم.

المصدر : صدى البلد

الكاتب: محمد أرسلان

قد يعجبك ايضا