أردوغان بين سلطتي الإنجاز والاكتئاب

يقدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه على أنه صاحب مشروع نهضة تنموية في تركيا. تدعمه في ذلك سلسلة من الإنجازات التي تحققت على مستوى الصادرات والمشاريع الإنتاجية للعديد من السلع المتوسطة، واتساع أنشطة الشركات التركية في الخارج.

ولأجل زيادة فرصه الانتخابية، فقد حشد في الأسابيع الأخيرة سلسلة أخرى وصلت إلى حد الإعلان عن بناء أول حاملة طائرات، والتقدم بخطوات حاسمة في طريق الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز، وتشغيل أو محطة نووية لإنتاج الكهرباء.. وغير ذلك. ولكن مشاعر الاكتئاب ما تزال طاغية بين الناخبين الأتراك، أولا، لأنهم يعرفون الثمن الذي دفعوه، من أجل “إنجازات” باتت تتخذ طابعا استعراضيا. وثانيا، لأنه طاغية.

أعط أي شعب عشرين عاما من الاستقرار السياسي، وإدارة تشجع على التطوير والاستثمار تمنح الشركات فرصا للتوسع والإنتاج، ونظاما قضائيا مستقلا ويتسم بالنزاهة والإنصاف، فإن النمو سوف يتحقق من تلقاء نفسه. لماذا؟ لأن هذه مقومات، ما أن تتوفر حتى تصبح دافعا تلقائيا للتقدم.

المجتمعات المستقرة تعرف كيف تحل مشاكلها، إذا ما واجهت مشاكل. إنها ليست بحاجة إلى “زعيم عبقري”. كل ما تحتاجه هو قدرة على النظر في تلك المشكلات من دون عقبات فكرية أو سياسية تحول دون عرض البدائل والخيارات، أو تحول دون تقديم الآراء المتضاربة بشأنها. النظرية التي تقول إن “البقاء للأصلح” تنطبق تماما على تلك البدائل والخيارات.

الطغيان هو وحده الذي يتحول إلى أداة تخريب وإفساد لكل ما يمكن للمجتمع أن يبنيه لنفسه.

لا يوجد مثال أفضل من عراق العقدين 1970 – 1990، في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولكن، لم يكن من الغريب أن يؤدي الطغيان إلى تخريب كل شيء في النهاية. والانقسام الاجتماعي في الموقف من “القائد العبقري” بديهي وطبيعي بين الذين يلمسون أثر ما تحققه بلادهم من نمو وازدهار وبين الذين يثير الطغيان في نفوسهم مشاعر الاكتئاب.

الأتراك منقسمون حيال أردوغان، مثلما انقسم العراقيون حيال صدام حسين. بل ومثلما انقسم الروس حيال جوزيف ستالين، والإيطاليون حيال بنيتو موسوليني، والصينيون حيال ماو تسي تونغ.

الأتراك يرون أن بلادهم حققت ما يبرر الشعور بأنها أصبحت قوة. ولكنهم يرون أيضا أن زعيمهم، يلقي في غياهب السجون بعشرات الآلاف من الناس لمجرد أنهم قالوا فيه نكتة، أو عارضوا موقفا من مواقفه، أو انتقدوا سياسة من سياساته. وهو لا يتردد في توظيف القضاء لصالحه في إصدار أحكام تعسفية. الناشط الحقوقي عثمان كافالا واحد من أمثلتها. فهو قاد تحركا مدنيا محدودا ضد إزالة حديقة في إسطنبول، ولكنه أدين بشتى أنواع المؤامرات وحكم عليه بالسجن المؤبد.

هناك ما لا يقل عن 200 ألف عثمان كافالا آخر في سجون أردوغان. هناك شعب بأسره، هو أكراد تركيا يبلغ تعداده نحو 20 مليون نسمة، لا يتمتع بأي حقوق سياسية أو ثقافية. ويكفي أن ينبس أحدهم بكلمة نقد أو احتجاج، حتى يُعتبر إرهابيا وعضوا في حزب العمال الكردستاني، أو يخطط لعمل انقلاب. وهناك أحزاب معارضة لا تحظى بما يحظى به حزب أردوغان “العدالة والتنمية” من امتيازات، هذا فضلا عن أن الانتساب إلى حزب أردوغان، يتيح الحصول على فرص تجارية ومساعدات وقروض واستثمارات لا يحصل عليها المواطنون الآخرون. أما إذا كانوا منتسبين إلى حزب آخر، فليس ثمة من أمل على الإطلاق.

حزب أردوغان في تركيا، لم يظهر إلا كنسخة من حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق. هو صوت الحق. وله الحق كله. ومن ينتسب إليه ينعم بالامتيازات. ومن لا ينتسب عميل وخائن ومتآمر.

لا تحتاج أن تفعل أكثر من أن تمتلك “سلطة الحق” وتحرسها بالسجون وأعمال القمع، حتى تدفع البلاد إلى اكتئاب اقتصادي واجتماعي يحرق الأخضر واليابس.

التضخم وانهيار قيمة الليرة التركية وارتفاع فاتورة الديون الخارجية، كانت لا أكثر من الوجه الداخلي لسياسات التوسع بالقوة التي أراد أردوغان أن يفرضها في الخارج ضد حقوق وسيادة الدول الأخرى. في سوريا تحولت تركيا إلى قوة غزو، وفي شرق المتوسط، تحولت إلى سلطة “بلطجة” لأجل التنقيب عن الغاز، وفي ليبيا تحولت إلى سلطة احتلال تدعم ميليشيات من سقط المتاع، لتكسب منهم عقودا وامتيازات لا تستند إلى أساس منطقي أو منصف. وسرعان ما أثمر هذا وذاك وذلك نزاعات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليونان وقبرص ومصر وفرنسا، فضلا عن العراق وسوريا والشق الآخر من ليبيا.

الذين نظروا إلى ما تشكله بلادهم من قدرة على التحدي، وأن تفرض نفسها ومصالحها بمنطق القوة، ربما يشعرون أن أردوغان هو “الزعيم القوي” الذي يمكنه أن يمثل تركيا “الصاعدة” بين الأمم الكبرى. ولكن الذين يدفعون ثمن التضخم وانهيار قيمة العملة وارتفاع معدلات الفائدة والبطالة والاعتقالات التعسفية، يصابون باكتئابٍ قد لا يجدون تفسيرا له في بعض الأحيان. لأن أسبابه لا تبدو مترابطة.

وكأي زعيم شعبوي، فإن أردوغان يتجرأ على الحقائق أيضا. على سبيل المثال، فإن الخسائر التي تسبب بها زلزال 6 فبراير الماضي تتراوح بين 80 و100 مليار دولار. ولكن أردوغان تعهد أمام ناخبيه بأنه سيعيد بناء كل شيء في غضون عام واحد، من دون أن يقول لهم من أين سيأتي بالمال.

اتحاد الشركات والأعمال في تركيا قدر حجم الأضرار بـ84 مليار دولار، أو ما يعادل 10 في المئة من الناتج الإجمالي للبلاد. منها نحو 70 مليار دولار للمباني السكنية، ومنها نحو 10 مليارات دولار أخرى كخسائر في الدخل القومي، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالقوة العاملة في البلاد.

الذين استمعوا إلى وعود أردوغان، وأرادوا تصديقها، قد يعودون لينتخبوه، على اعتبار أنه “بطل قومي”. أما الذين ينظرون في ما تقوله الأرقام فإنهم يشعرون بالاكتئاب، ويرون أن سلطته بين زلزال فبراير الماضي وزلزال العام 1999، لم تكن إلا سلطة فشل وفساد.

هناك حقيقة لا جدال فيها، على أي حال، هو أن أردوغان “مدمن سلطة”.

المستبدون يحققون “انتصارات” و”إنجازات”. ولكنهم يفعلون كل شيء في النهاية من أجل تخريبها. يحصلون على دعم الناس لهم، ولكنْ، يثيرون في نفوسهم الاكتئاب.

 

الكاتب : علي الصراف

المصدر : العرب

 

قد يعجبك ايضا