تجار الأزمة في غوطة دمشق الشرقية من سيءٍ لأسوأ

انتهى عهد الاحتكار الذي فرضه التاجر المقرب من النظام أبو أيمن المنفوش، على الغوطة الشرقية عبر مخيم الوافدين، بعدما كان مسؤولاً لفترة طويلة عن إدخال المواد الغذائية والتموينية من دمشق إلى الغوطة، مقابل إخراج الألبان والأجبان والحليب من معامله، والخضار والفواكه من مزارعي الغوطة الشرقية بالإضافة إلى المفروشات. وجاء انتهاء عهد المنفوش مع نهاية شباط/فبراير 2017، حين حاولت فصائل المعارضة دخول العاصمة دمشق من محور كراجات العباسيين بالتزامن مع معارك حيي القابون وتشرين، فقام النظام حينها بإغلاق الطريق أمام سيارات المنفوش للضغط على فصائل المعارضة وفرض سياسة التجويع على أهالي الغوطة الشرقية للانسحاب من مواقعهم في كراجات العباسيين. في تلك اللحظة اقتربت نهاية عقد المنفوش مع النظام

الإطاحة بالمنفوش جاءت بتوجيه من “جيش الإسلام” المدعوم سعوديا، الذي سعى إلى تحويل دوما إلى سوق تجاري كبير يتحكم فيه بالمواد التي تدخل بقية مدن الغوطة الشرقية. والمنفوش ابن مدينة مسرابا، التي تقع على الخط الفاصل بين القطاع الأوسط الذي يسيطر عليه “فيلق الرحمن” وقطاع دوما الخاضع لسيطرة “جيش الإسلام”، وله علاقة بالصراع الداخلي المستمر منذ أكثر من عام بين الطرفين العسكريين الأقوى في الغوطة. وعمد “جيش الإسلام” وبشكل غير مباشر إلى تكوين تحالف اقتصادي “دوماني” جديد بدلاً من المنفوش، مؤلف من تاجرين اثنين؛ أحدهما من آل حسابا والآخر من آل الوزير، المقربين من “جيش الإسلام”. ورفع “التحالف الدوماني” سقف المناقصة المقدمة للنظام، إلى 300 مليون ليرة شهرياً، بعدما كان المنفوش يدفع مبلغ 200 مليون ليرة للنظام مقابل خط التهريب. فرق السعر الذي سيصب في مصلحة النظام، سيؤخذ عملياً من جيوب أهالي الغوطة الشرقية وتجارها الصغار بشكل مباشر.

وبدأ تحالف “حسابا/الوزير” بإدخال البضائع إلى دوما، بعد كسب “المناقصة” مع النظام منذ مطلع حزيران/يونيو، مع رفع الأسعار بنسبة واضحة وزيادة نسبة الربح للمواد التي يتم إدخالها وإخراجها من وإلى الغوطة. ووصلت نسبة الزيادة في أسعار البضائع إلى 100 في المئة عن أسعار دمشق، بعدما كانت لا تتعدى الـ 40 في المئة في أيام المنفوش.

تلك “المناقصات” تتم مع “الحرس الجمهوري” بشكل مباشر، وبعلم كامل من قيادات النظام، المستفيدة الأولى والأخيرة من تلك العملية. وبالإضافة للمبلغ المرصود شهرياً، يستفيد النظام من عملية تصريف العملة الصعبة وفارق سعر الصرف في الغوطة الشرقية عنه في دمشق. والتاجر المتحكم بالطريق يُدخل إلى الغوطة الشرقية دولارات ويخرج منها عملة سورية، وبالعكس، فتكون الاستفادة من فرق سعر الصرف الواضح بين دمشق والغوطة الشرقية، والذي يصل أحياناً إلى أكثر من 20 ليرة سورية للدولار الواحد، بحسب العرض والطلب. غير أن قيادة النظام تعمد دورياً إلى تغيير الضباط الموجودين عند معبر مخيم الوافدين والتابعين لـ”الحرس الجمهوري”، لتجنب صفقات خارجية يمكن أن تجري بين هؤلاء الضباط وتجار الغوطة وقادة الفصائل لإدخال المواد المحرّم عليهم إدخالها، كالإلكترونيات وحمض الليمون والمواد التي قد تدخل في صناعة المتفجرات، بالإضافة إلى المحروقات والسلاح الذي يمكن أن يُشترى من السوق السوداء التي يديرها ضباط في قوات النظام والميلشيات الموالية، كما كان يحصل سابقاً في حي برزة مع ضباط من عش الورور، والذين لطالما زودوا الفصائل بسلاح وذخائر مقابل مبالغ مالية كبيرة.

الصفقات مع النظام تتجدد شهرياً بشكل دوري وبالقيمة المتفق عليها، إلا أنه ومنذ دخول “حسابا والوزير” إلى الخط التجاري بقوة، والذين تبعهم تاجر من آل عبد الدايم، المنحدر أيضاً من مدينة دوما، تغيّرت معادلة الطريق، بشكل لا يؤثر نهائياً على النظام. وبات كل تاجر يُدخل البضائع بصفقة مستقلة لمدة معينة، يمكن أن تبدأ بخمسة عشر يوماً وتنتهي بثلاثين يوماً، يتم خلالها دفع مبالغ مالية للنظام مقابل إدخال وإخراج البضائع من الغوطة وإليها. وعاد المنفوش مجدداً إلى الخط التجاري بسبب قوته المالية، ووصوله لدى النظام، ولكن هذه المرة ليس لوحده.

اختلاف المبالغ المالية المدفوعة للنظام يؤثر بشكل مباشر على أسعار المواد في الغوطة الشرقية، فضلاً عن سعر صرف الدولار الأميركي، ما يجعل السوق في حالة تخبط دائم. وبهذه الحالة، فإن كل تاجر يعقد صفقة للسيطرة على الطريق لمدة معينة، في حين يعمل التجار الثلاثة الآخرون تحت عهدته، فيتم إدخال وإخراج بضائعهم بواسطة المُسيطر اللحظي على الطريق وبنسبة يفرضها. ثم تتغير الصفقة بعد أيام ويدخل تاجر آخر من الرباعي الاقتصادي للغوطة من جديد إلى سوق تجارة الحرب.

هؤلاء التجار الأربعة، يمكن أن يُطلق عليهم لقب “العمود الاقتصادي للغوطة الشرقية” في الوقت الحالي، بعد ولادتهم الجديدة التي أدت إلى نقلة نوعية في أعمالهم؛ من تجار مواد غذائية صغار إلى أصحاب رؤوس أموال، وذلك بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى الغوطة الشرقية بعد الهجوم الكيماوي الذي استهدف بلدتي زملكا وعين ترما في آب 2013. حينها بدأ احتكار المواد ومضاعفة أسعارها حتى وصل ثمن كيلو السكر في الغوطة الشرقية إلى 3200 ليرة في الوقت الذي كان فيه لا يتعدى 200 ليرة سورية في أسواق دمشق. الهيمنة الاقتصادية التي فرضها كلٌ من “عبد الدايم وحسابا والوزير” على السوق، وشبكة العلاقات الواسعة التي وصلت إلى ضباط النظام، حولتهم إلى تجار حرب من الدرجة الأولى. ولكن في ذلك الوقت لم يكن باستطاعتهم التغلب على “المنفوش” مادياً، فالمنفوش يملك شبكة علاقات أوسع، فضلاً عن امتلاكه لمعامل ألبان وأجبان ومزارع مواشي منذ ما قبل الثورة. الأمر الذي جعله، وبموافقة من فصائل الغوطة الشرقية وعلى رأسهم “جيش الإسلام”، ومن قبله “جيش الأمة” سابقاً، يفتتح خطاً تجارياً مع النظام لكسر الحصار المفروض على مدن وبلدات الغوطة، وذلك بعد مرور كافة البضائع على المكتب الاقتصادي في دوما، والذي تشكل مع فتح طريق المخيم

وانتقلت الهيمنة العسكرية على المكتب الذي من المفترض أن يتبع للمجلس المحلي إلى “جيش الإسلام” بعد القضاء على “جيش الأمة”. الأمر الذي يرجح أن إنهاء “جيش الأمة” من قبل “جيش الإسلام”، كان بغرضين؛ أحدهما ضمن سياسة الاستئصال العسكري وهيمنة الطرف الواحد، والآخر اقتصادي للسيطرة على الطريق التجاري، وفرض نسبة تقارب 15 في المئة على كل مادة تخرج أو تدخل من وإلى الغوطة. وهنا نتحدث عن مئات الملايين شهريا

لكل تاجر من هؤلاء شبكة من الصرافين وتجار الأموال الصغار المتعاملين معه، يُدخلون لهم الحوالات التي تصلهم عبر السوق السوداء في العاصمة دمشق، دورياً، بالعملة السورية والصعبة. “جيش الإسلام” ومع انتهاء عهد المنفوش، دفع “المكتب الأمني” التابع له لمحاربة المنفوش اقتصادياً، عبر شبكة الصرافين وتجار الدولار المتعاملين معه بشكل مباشر. المكتب بدأ باستدعاء تجار الدولار المتعاملين مع المنفوش تباعاً، وإيقاف تحويلاتهم المالية التي انتقلت بشكل روتيني إلى تحالف “حسابا والوزير”. وسُجل استدعاء أكثر من 20 صرافاً ومصادرة أموالهم، بتهمة توريد أموال إلى “هيئة تحرير الشام” و”فيلق الرحمن”، أعداء “الجيش”. وجاءت تلك الاستدعاءات بمثابة “فرك أذن” للمنفوش، وللتضييق على “الفيلق”. وأعاد المكتب الأمني الأموال المصادرة إلى أغلب التجار، مع تنبيه بوجوب عدم التعامل مع “تنظيم القاعدة” وتوريد أموال لهم. في حين صادر مئات الآلاف من الدولارات التي تعود لبعض التجار ورفض إعادتها لهم، لنفس السبب والتهمة.

عملية إدخال البضائع غير الغذائية إلى الغوطة الشرقية، تأتي عبر طلبيات يتم التوصية عليها من تجار صغار، وعن طريق حيتان المعبر التجار، فالتاجر الصغير أمام خيارين؛ إما أن يشتري البضائع من دمشق ويدفع ثمنها، ويبقى “حوت” المعبر بمثابة صلة وصل، ويتم احتساب نسبة التوصيل على الوزن لكل مادة لوحدها. أو أن تتم توصية أحد أعضاء “التحالف” على كمية مواد معينة يدخلها معه أثناء “مناوبته”، وتُحتسب الضريبة عليها على الوزن بحسب المادة أيضاً. الأمر ينطبق أيضاً على إخراج البضائع من الغوطة. فالكثيرون من أصحاب المعامل التي لا تزال قائمة، يعتمدون على العاصمة دمشق لتصريف بضائعهم؛ من الرخام الخام إلى الخشبيات مروراً بالمنسوجات والزيوت والزيتون، حتى أن بعض التجار قاموا بإخراج مصانع كاملة من الغوطة الشرقية إلى دمشق عبر المنفوش، مقابل مبالغ وصلت إلى ملايين الليرات.

وفي نهاية المطاف تصب الدورة الاقتصادية في الغوطة الشرقية لصالح طرفين أولاً، في مصلحة النظام مستفيداً بقيمة أكثر من نصف مليون دولار شهرياً، ليُصرف جزء منها على تمويل المليشيات التي تساهم في قتل أهالي الغوطة الشرقية على مدار الساعة، وثانياً في مصلحة تجارٍ أصابهم الجشع ليحتسوا من دم الفقراء ويسلبوا قوت يومهم، في ظل حصارٍ مهلكٍ يقوّي من عزيمة هؤلاء التجار ويكون لهم سوراً يخفي سوءاتهم، هذا الحصار المفروض من النظام منذ أكثر من ستّ سنوات ونيّف، لم يبقِ في المواطن رمقاً ولا مُلكاً ولا أملاً للخلاص.

 

ــ شادي بكار