مناهج التعليم في دولة داعش..!

حين تصبح الأزهار أشواكاً تدمي كل من يقترب منها، تكون الجريمة الكبرى التي يندى لها الجبين.. هذا ما قامت به آفة القرن “داعش” لتضيف نوعاً جديداًمن الجرائم لسجّلها الحافل، وهذه المرّة بحق الطفولة البريئة التي لم تسعفها برائتها من براثن روّاد الفكرالظلامي وماينشدونه. فكان الضحية أطفالٌ في ظل حكم داعش.

بعد بسط سيطرته الكاملة على محافظة الرقة، بدأ تنظيم داعش باتخاذ خطواتٍ عدّة لترسيخ فكرة وجوده كدولة في عقول مناصريه، فأسس الدواوين التي هي أشبه بالوزارات الحكومية، ومنها ديوان التعليم الذي قام بإلغاء مناهج التعليم، وأنشأ عدداً من المدارس ليضع “منهاجاً” أشبه بعقليته الإجرامية، مستهدفاً بذلك الفئات العمرية الناشئة في المرحلتين الإبتدائية والإعدادية.

وبلغت فترة الدراسة بالمدارس التي قام داعش بتأسيسها، تسع سنوات دراسية بدل 12 سنة، مع إدخال المرحلة الوسطى بين الابتدائي والإعدادي، كما أعتمد تنظيم داعش على التقويم الهجري وركّز في “المناهج” التي فرضها على معاداة العالم غرباً وشرقاً، بحجة أنها أصل البلاء في البلاد العربية، ويدخل كل طفل بلغ السادسة من عمره هذه المدارس، وأُنشئ ما يسمَّى “مدارس الجهاد” أو المعسكرات تحت مسمّى “أشبال الخلافة”.

كيف تم تطبيق المناهج:

مناهج داعش تم تطبيقها بشكلٍ رسمي في المدارس، بقرارٍمن ديوان التعليم الذي كان يترأسه ذو القرنين، وهو ألماني من أصلٍ مصري متّهم بعدة جرائم أهمها أحداث “بالي بأندونيسيا”، وتضمّن المنهاج لغة التطرف، وكل من يرفض شروط التدريس أويعترض على المناهج، يعرّض نفسه للمساءلة والعقاب سواءً كان من المعلمين أو من الأهالي، وفرض داعش أيضاً على جميع المدرّسين الخضوع  لما يسمّى دورات الاستتابة “التوبة”، عما كانوا يدرَّسونه من “كفرٍ وشرك”.

وكل من يتخلّف عنها مهما كان ظرفه يُعدّ كافراً بنظر تنظيم داعش ويقتل، أما المعلّم الذي يقوم بالتدريس لمناهج أخرى في الخفاء فيغرَّم ويُجلد, وإن كان قد استتاب من قبل، وفعل ذلك فتُستحل دمائه وأمواله، وكان أغلب المعلمين الذين استخدمهم داعش لإعطاء مناهجه من أهل المدينة، الذين أجبرهم واقع الفقروتأخرصرف النظام لرواتبهم على مزاولة التدريس لدى داعش، بعد أن قاموا بدوراتٍ شرعيةٍ أخضعهم لها داعش رغم الظروف الغيرمألوفة التي فرضت عليهم في مدارس داعش كـ”منع الاختلاط مع المعلمات” و”وضع ستارة بين المعلم والفتيات” الذي يقوم بتدريسهنّ، وغيرها، حتى الطلبة كان يتم الفصل بين الذكور والإناث ويمنع الاختلاط منعاً باتاً، وكان هناك أيضاً عدد محدود من المدرسين الأجانب الذين جلبتهم دعايات تنظيم داعش إلى الرقة، وغالباً ما يعانون صعوبة التفاهم مع الطلاب لضعفهم باللغة العربية، الأمر الذي دفع داعش إلى تعيينهم لتدريس أبناء مقاتليه من الأجانب، فغالبية المواد التي فرضها تنظيم داعش هدفها الأساسي هوغسل الأدمغة، ورفد معسكرات أشبال الخلافة بمزيد من الأطفال، وخاصة في تعليم الفتيات فتركّزالمعلمات على إقناعهن بالزواج من عناصرالتنظيم، والتركيز على الأمورالمنزلية، وحفظ بعض الأحاديث والقرآن.

أهم المواد والكتب التي فرضت على مراحل التعليم:

الكلمة الافتتاحية التي وضعها تنظيم داعش في أولى صفحات كتبه تتضمن: “فإنَّه بفضل الله تعالى وحسن توفيقه، تدخل الدولة الإسلامية عهداً جديداً، وذلك من خلال وضعها اللبنة الأولى في صرح التعليم الإسلامي، على منهج الكتاب وهدي النبوة وبفهم السلف الصالح، والرعيل الأول لها، وبرؤية صافية لا شرقية ولا غربية، ولكن قرآنية نبوية بعيداً عن الهواء والأباطيل، وأضاليل الاشتراكية الشرقية، أو الرأسمالية الغربية، أو سماسرة الأحزاب والمناهج المنحرفة في شتى أصقاع الأرض”.

يعتبر هذا الكلام، هوفحوى وشرح وملخص لما يريده داعش من معاداة العالم أجمع، وإبطان الحقد على الجميع بإسلوب ديني محرّف حسب الأهواء، ومن أهم الكتب التي وضعها تنظيم داعش: “كتاب دليل المعلم” وهوشرح للأساليب التي يجب لكل معلم أن يتخذها في تدريسه للمناهج التي يضعها داعش، كما صدرت عدة كتب خاصة بالمرحلة الابتدائية والوسطى والإعدادية أهمها: كتاب “العقيدة” للصف الأول، ويتكلم عن “تاريخ الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل ورؤوس الطواغيت والديمقراطية، وصفة الكفر بالطاغوت والتشبّه بالكفار، وأحد أهداف هذه المادة، هو أن يكون لدى الطفل آية قرآنية يبرر بها كل عمل يقوم به بشرح مغلوط، كما يتكلّم عن انتشارالإسلام وقصّة النبي محمد عليه الصلاة والسلام, وتمتد منذ زمن النبي وحتى الوقت الحاضر، والذي تطاول به الصليبين على الأمة على حدّ زعمهم، ومقاومتهم ومجابهتهم من قبل المجاهدين”داعش”، وذلك لشرعنة أعمالهم وإسكات أي تساؤل لدى الأطفال، و”كتاب الفقه والتوحيد” الذي يتضمن الفكر السلفي الجهادي كاملاً، وكتاب “الجغرافيا” الذي يتكلم عن التضاريس وعدم الإعتراف بالحدود الجغرافية بين الدول, وكتاب “اللغة العربية” التي شوّه داعش حروفها بأمثلته التي يذكرها، حيث أضحت الميم مدرعةً والقاف قتل والسين سبي للنساء، وبهذه الطريقة أراد “داعش” أن يغزو العقول، وكتاب “الإعداد البدني” التي يتعلم فيها الأطفال كافة فنون القتال واستخدام السلاح، فضلاً عن وجود مادة “التربية الجهادية“، واعتمد التنظيم على شعاره ليستخدمه بالتمارين البدنية “باقية وتتمدد”.

أما بالنسبة لكتب “الفيزياء والكيمياء” قام التنظيم بحذف الكثير من محتواها، وكتاب”عقيدة المسلم” الذي يطرح فيه داعش آيات قرآنية، تُفسّرحسب منهجه لتبرير ما يقوم به من جرائم، حيث يُظهرللأطفال أن أفعال داعش ينص عليها الدين، فلاضير برأيهم من حرق البشر وقطع الرؤس وبيع النساء، وكتاب “الرياضيات” الذي حذف الكثيرمن علومها، واستخدمها داعش لتعليم الأطفال كأمثلةً تروّج للقتل، وعلى سبيل المثال: “مجاهد يحمل بسلاحه عشرين طلقة، وقتل خمسة كفار كم طلقة بقي لديه”، كما قام داعش بإصداربرامج وألعاب على الهواتف المحمولة، تتخللها أناشيده وشعاراته.

أعداد الطلاب ونسبة الإقبال:

كانت أعداد الطلاب قليلة جدّاً لاتتجاوز المئات، رغم كثرة الدعايات التي نشرها التنظيم، واقتصر عدد الطلاب على أولئك الذين يناصر ذويهم التنظيم، وعلى أبناء عناصره من المدينة ونسبة ضئيلة جدّاً من الأهالي، الذين رفض غالبيتهم إرسال أبنائهم خوفاً من غسل أدمغتهم على أيدي التنظيم، وجرِّهم لمعسكراته كما حصل لعددٍ من الأطفال، أمّا عدد تلك المدارس التي افتتحها التنظيم لاتتجاوزالـ24 مدرسة، 12 منها للذكور ومثلها للإناث، في حين يبلغ عدد مدارس الرقة 115مدرسة تقريباً، وتناقصت تدريجياً نسبةً لقلّة أعداد الكوادر، وأيضاً التسيب الكبير لأعداد الطلبة، وقام التنظيم في الفترة الأخيرة، بنقل المدارس إلى البيوت التي انتزعها من أهلها.

التعليم الجامعي:

في المرحلة الجامعية تكررت الانتهاكات بحق الطلبة في جامعات الرقة، من اعتقالٍ وضربٍ وفرض قوانين وحذفٍ لبعض الاختصاصات، ومقاطعة المحاضرات لإلقاء خطبهم المحرضة على التطرف، حتى أُغلقت الجامعات بشكلٍ كامل على يد داعش، وجعل التنظيم من أبنيتها مراكزاً له، ولم تكن فئة الجامعات مهمة للتنظيم، فهو يرى أنَّه من الصعب التأثير بهذه الفئة التي لم يجد فيها تجاوباً، كتأثيره بالفئات العمرية الأصغر، فكان إهتمامه شبه منعدم، بإستثناء تلك الاختصاصات التي يستفيد منها كالطب، حيث قام بافتتاح كليةٍ للطب بمدينة الرقة في بناء نقابة المهندسين سابقاً، وذلك لسدّ النقص بالكوادر الطبية، فاستقطب عدداً كبير من الشبان الذين لم تكن لهم علاقه بهذا المجال بالأصل، وإنما اكتسبوا بعض الخبرات بمجال الإسعافات الأولية ونقل المصابين، ونقل التنظيم إرتباط كلية الطب بديوان التعليم لتصبح على صلةً مباشرة بديوان الصحة، أمّا طلبة الجامعات الأخرى فقسمٌ كبير منهم غادرالمدينة لإتمام تحصيلهم العلمي الذي منعهم داعش من اتمامه.

 

تحدياتٌ وصعوباتٌ جّمة تواجه العالم أجمع في القضاء على الفكر الداعشي، الذي ُنفِث كالسم في عقول الأطفال، ومخيلاتهم الغضّة، وتشوهات فكرية شتّى أصابت عقول الأطفال نتيجة المكر السيء الذي ألحقه داعش بنفوسهم أثناء سيطرته على الرقة, وأيام سوداء سلبت أحلامهم ومن بعدها أعمارهم في ساحات قتال داعش، أيام ضلّوا بها الطريق بسياسة بشعة من أعتى وأقسى تنظيم إرهابي شهده العالم رغم تصاعد النداءات من منظمات أممية تطالب بحماية الأطفال وإنقاذهم.

 

 

غازي منصور