حين تتصدر المرأة المقاتلة المشهد العسكري

حسين زيدو

 

حسين زيدو، هو كاتب، وصحفي سوري، شارك وساهم وكتب عدة أبحاث ثقافية واجتماعية، إلى جانب عمله الصحفي كمراسل ميداني، كتب العديد من القصص الصحفية، وهو كاتب ثنائي اللغة حيث يكتب بالكردية والعربية.

اندلعت أولى المعارك في شمالي سوريا وهي؛ المنطقة ذات الغالبية الكردية المحاذية للحدود التركية، وذلك في نهاية العام 2012م، عندما اجتازت العديد من المعارضة المسلحة الحدود التركية وهاجمت قوات النظام السوري التي كانت متمركزة في مدينة رأس العين وعلى إثر سيطرت تلك الفصائل على المدينة تشكلت وحدات حماية الشعب، وتعرف اختصارا بـ YPG” ”التي أعلنت في بيانها التأسيسي بأنّ هدفها “هو الدفاع عن المدن ذات الغالبية الكردية “،كذا تم إعلان فصيل رديف آخر خاص بالمرأة تحت اسم وحدات حماية المرأة، وتعرف اختصارا بـ YPJ،والتي تهدف إلى خوض المعارك بقوة السلاح كسبيل لتحرير المرأة من الإرهاب وكذا الذهنية الذكورية، ورفع مظالم المرأة بشكل عام.

تصدر المرأة للمشهد العسكري

خاضت وحدات حماية المرأة جنب إلى جنب مع وحدات حماية الشعب معارك عديدة إلى أن ذاع صيتها مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا وتمدّدها نحو مدن وبلدات الشمال السوري ذات الغالبية الكردية، إذ باتت المرأة المقاتِلة ضمن وحدات حماية المرأة تتصدّر المشهد العسكري في كل مواجهة مع مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبات الإعلام يركز على انتصارات هذه الوحدات التي تضم في صفوفها نساء من أعمار مختلفة، واللاتي تقاتلن بشراسة، وتفقدن في الكثير من الأحيان حياتهن في الجبهات.

وعلى إثر ذيوع صيت المقاتلات في صفوف وحدات حماية المرأة وخاصة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ والتي صُنِّفت من قبل القوى العالمية العظمى بالإرهاب، حتى أخذت تلك المقاتلات تتصدّر المشهد في مقارعة الإرهاب، ففي استقبال من قبل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لإحدى المقاتلات في صفوف وحدات حماية المرأة؛ وهي القيادية في وحدات حماية المرأة نسرين عبدا لله، رحّب الرئيس الفرنسي بها ترحيبا غير مألوف، إذ استقبلها في قصر الإليزيه بلباسها العسكري، وذلك بعكس عُرف القصر المعتاد. هذه المقابلة لقيادية في وحدات حماية الشعب منحتها الصدارة في المشهد العسكري.

مع قرار قوات سورية الديمقراطية؛ المُشَكّلة من فصائل كردية وعربية عديدة ضمنها وحدات حماية المرأة، وبالتنسيق مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بالبدء بحملة عسكرية  باسم غضب الفرات والتي تهدف إلى تحرير مدينة الرقة السورية من سيطرت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، تصدّرت المقاتِلات الكرديات مجددا المشهد العسكري في معركة الرقة بجدارة، وذلك بإعلان إحداهن (روجدا فلات) لقيادة الحملة العسكرية للسيطرة على مدينة الرقة عاصمة الخلافة الإسلامية المزعومة، وصرّحت المقاتِلات الكرديات في مناسبات عديدة أمام وسائل الإعلام، بأنهنّ ستشاركن في حملة غضب الفرات أكبر وأهم حملة شاركت فيها وحدات حماية المرأة – لتساهمن في تحرير الآلاف من النسوة الإيزيديات الأسيرات في أيدي تنظيم داعش.

كما تم في حملة غضب الفرات تعين إحدى مقاتِلات وحدات حماية المرأة كمتحدثة رسمية للإعلام باسم غرفة عمليات حملة غضب الفرات؛ وهي المقاتلة جيهان شيخ أحمد التي قالت في مقابلات عديدة أجرت معها وسائل الإعلام بأنهنّ العنصر الأساسي في معركة تحرير الرقة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأنهن يهدفن إلى الانتقام من أسر تنظيم داعش للنساء الإيزيديات، وإنه في كل يوم تزداد أعداد المنضمّات إلى صفوف وحدات حماية المرأة ومن مكونات عدة، وإنّ المرأة من المكوّن العربي تُبادِر هي الأخرى وبأعداد متزايدة بالانضمام إلى صفوفهن.

حضور وتمايز دور المرأة في الحركات الكردية

إنّ المرأة لم تجد لها موطئ قدم في القوى العسكرية الأخرى المقاتِلة في سوريا. أما في صفوف تنظيم داعش تتمتع بحضور كبير حيث تلعب دورا كبيرا في المسائل الإدارية لدى التنظيم كتعزير النساء، ومحاسبتهن وتفتيشهن على الحواجز وحراسة السجون الخاصة بالنساء.

وفى أثناء معركة الرقة استطاعت قوات سورية الديمقراطية تحرير العشرات من النسوة الايزيديات من قبضة التنظيم، من بينهم كانت المرأة الايزيدية نورا خضر خلف من قرية كوجو الواقعة في منطقة جبل سنجار (شنكال) التي قالت في مقابلة صحفية أنّه تم بيعها ثلاث مرات كسبية لأمراء ومقاتلي تنظيم داعش لأغراض الجنس، وتقول نورا أنّ أسوء ما علق بذاكرتها هو سوق النخاسة الذي يتم فيه بيع النساء وخاصة الإيزيديات.

هذا بالضد تماما عما نجده عند الحركات الكردية، حيث أنهنّ يمارسن القتال ويحاربن المفاهيم الذكورية، ولهنّ الاستقلالية، ويكنّ مراكزَ قرار في الحرب والكلمة الفصل، أما عن دور المرأة لدى القوى الأخرى، فنجد أنّه دور ضعيف ويبدو شكليّا كتلك القوة المرتبطة بجيش النظام السوري، وكتيبة الخنساء المرتبطة بتنظيم داعش، والقوة النسائية المرتبطة بمكتب الأمن السرياني.  وهذا التمايز بين دور المقاتِلة في الحركات الكردية والحركات والفصائل الأخرى ينبع من الدور الذي تحتله المرأة الكردية في الحياة العامة، وهو دور متزايد وخاصة مع دخولها ميادين القتال وينبع من إيمان الحركات الكردية بالديمقراطية والعلمانية.

ولم يقتصر دور المراءة الكردية على الدور العسكري فحسب، فمع تزايد دور الكرد السياسي في شمالي سوريا، وخاصة بعد طرح الفيدرالية كحلّ سياسي لعموم سوريا. حاولت المرأة الكردية التواجد بقوة، ففي النظام الإداري للمنطقة، توجد هيئات ومؤسسات قائمة بذاتها قوامها المرأة، وكذلك بروز منظمات فاعلة خاصة بها، تعمل في شتى مجالات الحياة سواء في القطاع التربوي، أو في القطاع الاقتصادي حيث تقوم منظمات فاعلة مثل وقف المرأة الحرّة ومؤتمر ستار للمرأة بالكثير من الأنشطة الاقتصادية كالحرف والتدبير المنزلي والاقتصاد الموازي.

الخاتمة

وقد دفع حلم المرأة في الحصول على الحرية السياسية والاجتماعية إلى تجاوز حاجز العادات والتقاليد حيث انخرطت في صفوف القتال ضد الإرهاب حتى تصبح صاحبة القرار في مستقبلها. وبهذه الخطوة الجريئة باتت المرأة المقاتِلة تتصدّر المشهد العسكري في سوريا.  وتحارب تلك الوحدات العسكرية الخاصة بالمرأة إلى جانب القوى العالمية التي تخوض حرب شرعية ضد الإرهاب، وتعتمد تلك القوى الدولية على وحدات حماية المرأة كمكون أساسي في التحالف الدولي، مما يستدعي ذلك من القوى العظمى إيجاد حلول مصيرية للمنطقة تنال من خلالها المرأة حقوقها المسلوبة.

وعلى إثر إيقاف الصراع، يجب العمل على حثّ المرأة للمشاركة في الحياة العامة في السياسة والشأن العام والانخراط في المنظمات النسائية للمطالبة بحقوقهنّ المسلوبة. فالمرأة في الشمال السوري أصبحت قادرة أكثر على تنظيم عملها من خلال التنظيمات المدنية وخاصة تلك المعنية بمناهضة العنف ضد المرأة، يساعدها في ذلك توجّه المنظمات الدولية والتفاتها إلى قضايا المرأة كجزء أصيل من قضايا الشأن العام، حيث أن المنظمات الدولية لها برامج خاصة بتنمية المرأة وتوعيتها.

 

المصدر: معهد واشنطن