في الأزمة السورية …..عشائر الرقة الحاضر الغائب

 

تُشكّل العشائر العمود الفقري للمجتمع العربي في سوريا، يتركّز ثقلها في المناطق الشرقية والشمالية، وتُعتبر محافظة الرقة من حيث المساحة ثالث محافظة في سوريا بعد حمص والحسكة، وغالبيّة سكانها من العشائر، حيث العشيرة هي الأصل والقاعدة البديل، وقد يكون تأسيس الدولة الحديثة في بعض دول العالم العربي يتراجع تحت غطاء العشيرة، في عملية البحث عن مأمن أكثر ثباتاً يُعوّض عن غياب الدولة، إذا ما حدثت أي قلاقل واضطرابات، وعلى الرغم من انفتاح العالم حتى يومنا هذا على الثقافات العالمية لا سيما التقنيّة والرقميّة، والقدرة على التنقل في شتّى قارّات العالم افتراضياً وجسدياً، لكن تبقى العشيرة لدى أبنائها في العقل والقلب عصيّة على التنحي.

 

التوزّع الجغرافي للعشائر في الرقة

 

محافظة الرقة تقطنها عشائر كبيرة وعديدة منذ القدم، ففي شمال المحافظة هناك عشيرتان كبيرتان ” المشهور وجيس” وأغلبهم من الشباب المتعلم الموالي، عرفت توجّهات البعض من أبناءها بالموالاة للنظام السوري بداية الأحداث السورية, وتعرّضوا للتهجير من قبل الفصائل المسلحة التي سيطرت على المنطقة بعد انهيار النظام، أما في منطقة عين عيسى على بعد 50 كم شمالاً ,فالقسم الأكبر من سكانها من البدو ومن “عشيرة المجادمة” وهي من العشائر الكبرى التي مال زعمائها سياسياً إلى جانب النظام، فضلاً على أن بعض أفرادها كان حاضناً شعبياً لأفكار جماعة الإخوان المسلمين في الرقة قبل الثورة، كما وتوجد عشيرة البوعساف وهي من العشائر الكبرى في الرقة, ومعظم أفرادها انضموا مؤخّراً إلى قوّات سوريا الديمقراطية.

إلى الشرق من مدينة الرقة توجد عشيرة العفادلة وهي من أكبر العشائر الموجودة في الرقة وهم من قبائل البو شعبان أبناء حسن الشعبان، وحسن الشعبان له ولدان ظاهر وشبل، وظاهر هو الذي تنحدر منه سلالة عشيرة العفادلة وله سبعة أولاد الذين يشكّلون أفخاذ العفادلة “الفخد جزءٌ متفرّع من العشيرة” وهم: “حوس – بريج -موسى -عيسى -مدلج -غانم -عواد” ويتزعّم عشيرة العفادلة “آل الهويدي”، مع العلم أن “البريج” جزءٌ من عشيرة “العفادلة” كان لهم دوراً في احتضان الجماعات المسلحة التابعة “للجيش الحر” بداية الثورة، كما يقطن في الشرق أيضاً “عشيرة الحليسات”، إضافةً إلى البوحميد، وعشيرة السبخة ويتزعمها آل الراكان.

أمّا في الجهة الغربية توجد عشيرة الولدة التي تُعتبر من كبرى عشائر وادي الفرات المتحدّرة من البو شعبان، وهي تتألّف من عدّة “أفخاذ” وهي “العلي والناصر والغانم والجعابات والبو مسرّة والترن والحويوات والعامر” ويتزعّمها الشيخ محمد الفرج السلامة الذي انتُخب نائباً في البرلمان السوري عام 1936 عن قضاء الرقة إبان الاحتلال الفرنسي، والذي تمّ نفيه من قبل الفرنسيين إلى جزيرة قمران في مدخل البحر الأحمر قبالة سواحل اليمن لمدّة ثلاث سنوات، ومن بعد وفاته تسلّم زمام الأمور ابنه ناصر المحمد الفرج السلامة، وبعده عبد الرحمن المحمد الفرج السلامة الذي قُتل في منزله عن طريق قذيفة مدفعية تم إطلاقها من مطار الطبقة العسكري, والذي كان تحت سيطرة النظام، وإبان غمر سد الفرات في السبعينات وتهجير الأغلبية من عشائر الولدة بالإضافة للعشائر الأُخرى إلى الحسكة من قبل نظام البعث، تسلّم زمام أمور عشيرة الولدة “شواخ البورسان”عن المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات السوري, والتي يُطلق عليها “جزيرة”, وعشائر الولدة من المنظور العشائري عُرفت بمواقفها المتفاوتة, وينتسب إليها “أحرار الطبقة” و “لواء ويس القرني” التابعان للفصائل المسلحة في مدينة الطبقة.

أمّا عشيرة العجيل “الجبورية” التي تقطن في غرب الرقة “الطبقة والسحل والحمام” يُنسب إليها البعض بأنها أول من أسّس اللجان الشعبية التابعة للنظام في الرقة, وينحدر منها ابراهيم هنيدي عضو القيادة القطرية السابق ومحافظ السويداء, كما ينحدر منها علي موسى الشواخ “ابو لقمان” والي الرقة والرجل الثاني في تنظيم داعش ومن مؤسّسيها.

أمّا عشيرة البوجابر تنتشر في “منطقة كديران والسويدية وهنيدة ” وأفرادها تتقارب مواقفهم السياسية بشكلٍ قد يكون كلّي مع توجّهات النظام, ويتزعّمها “الشيخ هاشم الضيف عضو مجلس قبائل الرقة المعارض”، كما وينحدر منها “تركي العاني” وهو من القضاة الأوائل في تنظيم داعش حيث ذاع صيته في أنحاء المحافظة.

أمّا العشائر التي تقطن مدينة الرقة “الشبلي السلامة، والبو مانع، والبوسرايا، والزيادات والبو عيسى، والمحمد الحسن، والبليبل”، وعشيرة لبياطرة التي لعبت دوراً كبيراً في احتضان الجيش الحر وأحرار الشام.

 

منظومة العشائر في مرحلة ما قبل الأزمة:

لأكثر من أربعين عاماً تلاعب النظام السوري بالمنظومة العشائرية والأهلية في محافظة الرقة, وطبع الحالة العشائرية السورية بطابعه الحزبي الوصولي، ولذلك كانت القيادة العشائرية في نظام البعث قيادة عشائرية بعثية، فالغالبية من شيوخ العشائر مبايعين لنظام حافظ الأسد منهم “الشيخ فيصل السيباط شيخ عشيرة في قبيلة الولدة وعضو مجلس شعب حالي”، وكانوا وكلاءً متنفّذين باسمه على عشائرهم، الأمر الذي خلق حالة من الفصام ضمن أبناء العشيرة، وخلط أوراق المعادلة وقدّم صورة جديدة للحالة العشائرية فدعم زعماء عشائر على حساب آخرين، كما صنع زعماء جدد كانوا أحياناً من خارج عائلة الشيخ الفعلي للعشيرة، وخاصة إذا ما كانت مواقف شيخ العشيرة غير مرضية للنظام ومبادئه.

 

دورٌ بارزٌ مع انطلاق الاحتجاجات في سورية 2011:

تحجيم النظام السوري لدور بعض العشائر، وانتشار الفقر في تلك المناطق من بين عوامل عديدة ساعدت على تغيير العشائر لتوجّهاتها السياسية ووقوف العشائر بوجه نظام دمشق مع بدء الاحتجاجات في 2011، ودخول بعض أفرادها بوقت لاحق في تحالفات مختلفة، فكان للتكوين العشائري الذي يغلب على مناطق محافظة الرقة دوراً بارزاً منذ نشأة الصراع، وإن اختلفت توجّهات أبناء العشائر بين من ينضوي تحت راية مسلحي الجيش الحر، وجبهة النصرة وتنظيم داعش الإرهابيَين، وقوّات الدفاع الوطني التابعة للنظام السوري, فقد سعى كلٌّ من النظام والمعارضة منذ اندلاع الحراك الشعبي إلى كسب ودّ العشائر والتحالف معها، في المقابل، أمّا داعش، فينظر إلى العشائر عموماَ على أنها مشروع “صحوات” تهدّد وجوده ويتعامل معها بحذر.

 

مبرّرات تغيير الاتّجاهات

من خلال رؤية الواقع العام ضمن مدينة الرقة وريفها، يمكن حصر مبرّرات مبايعة شيوخ العشائر في المدينة وريفها لداعش بأمرين هامّين هما: السلطة والقوة والتخويف من جهة، حيث أن ممارسات داعش التسلطية في الخطف والاغتيال وذبح الأسر “كان يتم ذبح أسيرين اثنين كل جمعة من قبل داعش في الرقة”، ونشر العناصر المسلحة في المدينة وريفها أدّيا إلى اتّقاء شر التنظيم من خلال مبايعته، ومن جهةٍ أُخرى قدرة التنظيم المالية على تأمين بعض المتطلبات للعشائر وشيوخها ما يجعل مبايعتها أكثر ربحية، وضم سلاح العشيرة إلى سلاحها أكثر جدوى وحصصاً في النفط وسواها.

 

توجّهات وولاءات مختلفة:

تعدّد وجوه العشيرة الواحدة في بعض العشائر أدّى إلى انقسام معظمها، فلم تعرف محافظة الرقة عشيرة كاملة مالت بموقفها بشكل كلّي إلى أحد أطراف الصراع، وإنّما بنسب متفاوتة وينقسم شيوخ العشائر في الرقة السورية بحسب ولائهم إلى أربع مجموعات:

منهم من وقف إلى جانب النظام منذ انطلاق الاحتجاجات، وقام بتسليم من عُرف من أبناء عشيرته بالاشتراك في الحراك السلمي، وعزّز النظام مكانة هؤلاء وقام بدعمهم بالسلاح، وأجبر أهالي المعتقلين للّجوء إليهم للتوسط عنده, أو لدفع مبالغ طائلة يتقاسمها هؤلاء مع ضباط الأجهزة الأمنية مقابل الإفراج عن أولادهم أو تقديم أي معلومة عنهم, ومنهم “الشيخ خليل الكشة شيخ عشيرة المجادمة”.

المجموعة الثانية: كانت ممن وإلى “الثورة السورية”، إذ لجأ بعض شيوخ ووجهاء العشائر وأبنائهم لدعم الحراك السلمي ثم انخرطوا في الفصائل المسلحة، أثناء دخول كتائب “الجيش الحر” إلى الرقة ومنهم “وجهاء في عشيرة الولدة”، وبعد طرد الجيش الحر من المحافظة على يد تنظيم داعش، انقسمت هذه المجموعة بين “عائدٍ إلى حضن النظام” أو مُهادن للتنظيم، مثل “عبد الفتاح ابو محمد قائد لواء ويس القرني”  في الطبقة عشائر الولدة، وبين مُنخرط في “داعش”، فقام التنظيم بدعمهم وأعطاهم مكاسب لا تختلف كثيراً عمّا أعطاهم النظام.

المجموعة الثالثة: ضمّت شيوخ بعض العشائر الذين فضّلوا الوقوف على الحياد، وعدم الانخراط في كل ما يحصل بهدف المحافظة على مكانته بين أبناء عشيرته.

المجموعة الرابعة: ضمّت العشائر التي عرفت بتحالفها مع حزب “الاتحاد الديمقراطي” و “قوات سويا الديمقراطية” وقام بعض شيوخ العشائر بالعمل مع الحزب وتشاركوا معه مثل “عشيرة البوعساف”.

 

العشائر وقوّات سوريا الديمقراطية

شكّلت سيطرة قوات الديمقراطي على مستقبل الرقة قضيةً حساسّة لدى تركيا التي تخشى من ظهور إقليم كردي في الشمال السوري، فبعد إعلان قوّات الديمقراطي التي تشكّل وحدات حماية الشعب عمودها الفقري، البدء بإطلاق حملة غضب الفرات في الرقة للقضاء على تنظيم داعش الإرهابي, أعلن الأغلبية من شيوخ العشائر في منطقة الرقة دعمهم ومساندتهم لقوّات سوريا الديمقراطية ومنهم “محمود الشواخ  البورسان شيخ عشيرة الولدة شرقي نهر الفرات”، حيث ارتفعت نسبة الانضمام إلى صفوف الديمقراطي.

الأمر الذي دفع بالعشائر العربية في الرقة لتأييد قوّات سوريا الديمقراطية، هي أنها ذاقت الأمرّين على يد داعش، ولذلك انضم مئات شباب العشائر إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية في قتالها ضد تنظيم داعش، وتم الإعلان رسمياً عن تشكيل مجلس الرقة المدني برئاسة مشتركة عربية – كردية لتولي شؤون المحافظة الواقعة شمال البلاد، بعد تحريرها بالكامل من تنظيم داعش، ولم يلاقي “الائتلاف السوري المعارض” المدعوم تركياً هذه الخطوة بكثير من الحماس واتهموا المجلس الجديد بأنه “يؤمّن الغطاء العربي لوحدات حماية الشعب الكردية للسيطرة على المحافظة، والسعي لضمها إلى فيدرالية شمال سوريا”.

في الرقة، يزداد المشهد تعقيداً مع دخول قوات النظام إلى الجنوب الغربي من المحافظة، في خطوةٍ تبدو ظاهرياًّ منع داعش من الهروب نحو البادية، ولكن في عمقها تبدو أكبر من ذلك، فاختلاف أهداف الفرقاء وطبيعة التحالفات المعقّدة في الشمال السوري، قد تدفع الأمور إلى مسارب أخرى، ليبقى حال العشائر في الشتات, وغاية ما يحتاجونه هو مستقبلٌ للمحافظة خالٍ من المفاجآت المؤذية.

 

 

تحقيق : محي الدين المحيمد