تفعيل اتفاقية أضنة..غطاء أردوغان لإخفاء مطامعه العدوانية ضد سوريا

سيفة ايزولي- دكتورة في القانون الدولي

دعا الرئيس التركي أردوغان بتاريخ ٢٤ كانون الثاني ٢٠١٩ إلى إعادة للتفاوض بهدف تفعيل اتفاقية
أضنة المبرمة بين سوريا وتركيا في 20/10/1998 وتأتي هذه الدعوى في الوقت الذي رفضت فيه موسكو المطلب التركي بإقامة منطقة عازلة على طول الحدود السورية الشمالية. الدعوى موجهة بطبيعة الحال إلى الرئيس السوري بشار الأسد، باعتبار أن المادة 107 من الدستور السوري توكل مهمة عقد وإلغاء المعاهدات الدولية إلى رئيس الجمهورية.
في الحقيقة لطالما سعى الرئيس اردوغان ومنذ بدايات الثورة السورية إلى تمرير مشروعه بإنشاء منطقة عازلة على غرار مشروع الحزام العربي، بهدف إعادة توطين اللاجئين السوريين الموجودين حاليا في تركيا، والذي يقارب عددهم الثلاثة ملايين نسمة، ومن جانب آخر وأهم، بهدف قطع كل تواصل بين كردستان الشمالية والشرقية، ولكنه لم يفلح سابقا بإقناع الدول الكبرى خاصة أميركا بمساندة مشروعه.
هذه الدعوة تأتي أيضا كمراوغة سياسية جديدة تهدف إلى تعطيل المفاوضات الجارية بين الإدارة الذاتية والنظام السوري بغية الاعتراف بحقوق الشعب الكردي في روجافا ضمن وحدة الأراضي السورية. ويبدو أن أردوغان يسعى إلى إيجاد غطاء حقوقي يخفي خلفه أطماعه التوسعية والعدوانية ضد سوريا بشكل عام، وضد كورد روجافا بشكل خاص.
ولكن هل يمكن وفق قواعد القانون الدولي إعادة العمل بهذه المعاهدة ؟ قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد من التذكير بأهم بنودها:
ـ إن سوريا، وعلى أساس مبدأ المعاملة بالمثل، لن تسمح بأي نشاط ينطلق من أراضيها بهدف الإضرار بأمن واستقرار تركيا. كما ولن تسمح سوريا بتوريد الأسلحة والمواد اللوجستية والدعم المالي والترويجي لأنشطة حزب العمال الكردستاني على أراضيها.
تتعاون سوريا بشكل تام مع تركيا في مكافحة الإرهاب عبر الحدود، وتضع حداً لجميع أشكال الدعم الذي تقدمه لحزب العمال الكردستاني.
2 – تحتفظ تركيا بحقها في الدفاع المشروع عن أراضيها وبالحصول على تعويض عادل عن الخسائر في الأرواح والأموال في حال ما إذا استمرت دمشق بدعم حزب العمال.
3-منح تركيا الحق في التوغل بعمق 5 كم في الأراضي السورية واتخاذ كافة الإجراءات الأمنية لحماية أمنها القومي.
4 -اعتبار النزاعات الحدودية بين البلدين “منتهية”
من تاريخ عقد هذا الاتفاق دون إمكانية المطالبة فيما بعد من أي طرف بحقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر (إشارة الى لواء اسكندرون).
وكما يلاحظ فإن هذا الاتفاق، خلافا لما هو معهود في مجال الاتفاقيات الدولية الثنائية لا يتضمن
حقوق وواجبات متوازنة ومتقابلة بين الطرفين. بل هو أشبه باتفاقية استسلام. تم التوقيع عليها من قبل سوريا مكرهة أمام الضغوط والتهديدات التركية بشن عدوان عسكري على أراضيها وتدمير اقتصادها خاصه بقطع مياه نهري دجلة والفرات، حيث قامت تركيا تزامنا مع عقد هذه الاتفاقية بحشد فرق كبيرة من جيشها مزودة بأسلحة ثقيلة ومعدات حربية ضخمة على الحدود السورية.
الظروف التي تم في ظلها التوقيع على هذه المعاهدة أي تحت وطأة التهديدات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية يجعل هذه الاتفاقية باطلة من منشأها وفق قواعد القانون الدولي. فوفق هذه القواعد، الاتفاقيات تعبر عن الإرادة الحرة للدول المتعاقدة. كل ما يتعلق بالمعاهدات الدولية مثل شروط انعقادها والتوقيع عليها، وانتهائها ونقضها أو وقف العمل بها يخضع لمعاهدة فينا للأمم المتحدة 23/5/1969.
المادة 52 من هذه المعاهدة تنص:
المادة 52: إكراه الدولة بالتهديد أو باستخدام القوة
” تكون المعاهدة باطلة إذا تم التوصل إلى عقدها بطريق التهديد أو استخدام القوة بصورة مخالفة لمبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”.
مما لا يمكن الجدال به هو أن الدولة السورية قد أجبرت على إبرام اتفاقية أضنة تحت وطأة التهديد التركي وهي مسلوبة الإدارة وهو ما يجعل المعاهدة باطلة من منشئها وفقا للمادة 52 لمعاهدة فينا آنفة الذكر.
من جانب آخر فإنه من الجلي تماما بأن الهدف من هذه الاتفاقية هو حرمان الشعب الكردي من التمتع بحقوقه المشروعة التي يكرسها القانون الدولي بذريعة محاربة الإرهاب وإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في سوريا. فتركيا كانت ومازالت مصرة على اختزال قضية الشعب الكردي على أنها مجرد قضية صراع ضد الإرهاب، رغم أن قواعد القانون الدولي تكرس حق الشعوب في تقرير مصيرها وتطوير ثقافتها ولغتها والاستمتاع بثرواتها كحقوق أساسية وكقواعد آمرة لا يمكن مخالفتها. ومن أجل هذا السبب أيضا فإن اتفاقية أضنة تعتبر باطلة لأنها تهدف إلى خرق قواعد أساسية آمرة للقانون الدولي. وهو ما تهيب به المادة 53 من معاهدة فينا.
المادة 53: المعاهدات المتعارضة مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي (النظام العام الدولي)
تكون المعاهدة باطلة إذا كانت وقت عقدها يتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي. لأغراض هذه الاتفاقية يقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولي القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل على أنها القاعـدة التي لا يجوز الإخلال بها والتي لا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها ذات الطابع.
إذا فاستنادا إلى المادة 53 من معاهدة فينا فإنه لا يمكن إعادة المفاوضات حول اتفاقية أضنة بهدف سلب الشعب الكردي في روجافا من حقوقه التي يقر بها القانون الدولي.
من المؤكد أن للسلطات السورية كافة الحق في رفض المفاوضات وعودة العمل باتفاقية أضنة خاصة وأن تركيا هي من بادرت إلى خرقها ونفذت تهديداتها بالاعتداء على الأراضي السورية وحتى باحتلال جزء منها عفرين، ناهيك عن الدعم اللامحدود وعلى كافة الأصعدة الذي قدمته إلى الجماعات الإرهابية الراديكالية التي ساهمت بتدمير سوريا.
الممارسات التركية تخول الدولة السورية أن تقوم بدورها بنقض الاتفاقية وفق المادة 60 من معاهدة فينا والتي تنص:
المادة 60: انقضاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها نتيجة الإخلال بها
1- الإخلال الجوهري بالمعاهدة الثنائية من قبل أحد أطرافها يخول الطرف الآخر الاحتجاج به كسبب لانقضائها أو لإيقاف العمل بها كلياً أو جزئياً.
أخيرا فإن ثمة سؤال يطرح نفسه: لماذا لم تتمسك الدولة السورية ببنود اتفاقية أضنة خاصة البند الذي ينص على التعامل بالمثل للتوغل بعمق 5 كم في الأراضي التركية من أجل ملاحقة المنظمات الإرهابية كداعش والنصرة وأيضا بغية مطالبة تركيا بتعويض كل الخسائر في الأرواح والأموال التي تكبدها الشعب السوري في مختلف أرجاء سوريا وخاصة في عفرين نتيجة هجمات الجماعات الإرهابية المدعومة من أنقرة والمتسللة عبر أراضيها؟

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق