تركيا واللعب على الحبال

ذهب المستشار القومي الأمريكي جون بولتون إلى أنقرة ليحصل على وعد من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «بضمان سلامة الحلفاء»، وعدم مهاجمة «قوات سوريا الديمقراطية»، كشرط لانسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، لكنه غادر العاصمة التركية خالي الوفاض، ولم يحصل على التعهد المطلوب، كما أن أردوغان رفض استقباله، مكتفياً بالاجتماع لمدة ساعتين إلى المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم كالين.

الموقف التركي السلبي من بولتون جاء على خلفية تصريح أدلى به في تل أبيب قبيل وصوله إلى أنقرة قال فيه «إن شرط الرئيس ترامب للانسحاب الحصول على ضمانات تركية بعدم مهاجمة الأكراد»، ما أثار حفيظة أردوغان الذي اعتبر موقف بولتون إخلالاً باتفاقه مع ترامب.

من الواضح أن أردوغان كان يهدف إلى ابتزاز واشنطن وتسليمها بإطلاق يده ضد الأكراد، من خلال إدراكه بأن واشنطن لا تستطيع التخلي عنه، وعن دوره في حلف الأطلسي وحمايته للمصالح الأمريكية في المنطقة، كما كان يلعب على علاقات بلاده مع كل من روسيا وإيران للإيحاء لواشنطن بوجود بدائل في المنطقة إذا قررت عدم الامتثال لرغباته، وربما صدق ما نقل عن ترامب بأنه قال له «سوريا لك» من دون أن يدرك بأن اللعب على الحبال بهذه الطريقة المكشوفة قد لا يفيد دائماً. فهو لم يحسب حساباً بأن ترامب سوف يواجه بعاصفة من الانتقادات والمواقف الرافضة لسياساته في سوريا، وخصوصاً قراره المفاجئ بالانسحاب، وأنه سوف يضطر لمراجعة مواقفه ولو بشكل محدود، تجاه الأكراد من دون التراجع عن قرار الانسحاب.ثم إن هذه المواقف الأردوغانية الزئبقية تثير مخاوف موسكو، وتضع علامات استفهام حول صدقية أردوغان تجاه تعهداته التي تضمنها «اتفاق سوتشي» الذي أبرم في سبتمبر (أيلول) الماضي ولم ينفذها حتى الآن، الأمر الذي جعل الكرملين يتمهل في تحديد موعد لقمة طلبها أردوغان مع بوتين قبل أكثر من أسبوعين «لأن برنامج الرئيس الروسي لا يسمح الآن».

يريد أردوغان أن يصطاد أكثر من عصفور بحجر واحد. هو يريد من واشنطن أن تسلمه رقبة الأكراد، وأن تسلمه القواعد الأمريكية (16 قاعدة ) في شمال شرق سوريا وأن تسحب السلاح الذي أعطته للأكراد، كما يريد تشكيل جيش سوري يتولى حماية المناطق التي ينسحب منها الجيش الأمريكي، وكأنه أصبح والياً عثمانياً يحدد مصير المناطق السورية. ويريد أردوغان أيضاً أن يلعب مع موسكو لإثارة واشنطن من دون أن يكبح جماح الجماعات المسلحة الموالية له، أو حتى إطلاق رصاصة واحدة على «جبهة النصرة» الإرهابية.

الحقيقة أن تركيا لا يعنيها إرهاب «داعش» أو «جبهة النصرة»، وليس في نيتها لا اليوم ولا غداً أن تشارك بأي عمل عسكري ضد هذين التنظيمين الإرهابيين،وهي التي كانت بوابة العبور لجحافلهما التي أتت من أربع رياح الأرض، وأيضاً بوابات الخروج إلى ديار أخرى لمواصلة عمليات القتل والتدمير والإرهاب.
لا يهم أردوغان إلا الأكراد، فهم وحدهم “الإرهابيون”.

المصدر: المرصد السوري لحقوق الانسان

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق