انسحاب ترامب من سوريا لا يجعل من أردوغان فائزاً

المصدر: أحوال التركية 

خلفت الاستقالة المفاجئة لوزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الأسبوع الماضي فوضى هائلة، كما أنها توضح التخبط الأميركي المتزايد بالإضافة إلى مستوى خطير جديد من سوء الإدارة بين قادة القوة العظمى في العالم.
وجاء قرار سحب القوات الأميركية من سوريا بعد الخطوة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لحصار ترامب ورجاله أمام سؤال واحد هو “إذا كنتم تزعمون أن تنظيم داعش الارهابي قد انتهى تقريبًا، فلماذا إذاً البقاء في سوريا؟”
وتابع أردوغان بقطع وعد مشكوك فيه للاضطلاع بقتال تنظيم داعش الارهابي. وقال مسؤول أميركي لقناة إن.بي.سي نيوز الإخبارية الأميركية “قال أردوغان للرئيس ‘في الحقيقة، وكأحد أصدقائك، أعدك بذلك”.
واستمر أسلوب “أنت مفصول” الذي انتهجه ترامب منذ دخوله البيت الأبيض، وتُحير السرعة التي يغير بها ترامب الأشخاص في المناصب الرئيسية العقل. لكن استقالة ماتيس، الذي اشتهر بأنه شخص رئيسي في إعاقة خطوات السياسة الخارجية المندفعة لترامب، تقطع الخطوط الفاصلة الهائلة في المؤسسات الأميركية ليس فقط فيما يتعلق بسوريا والشرق الأوسط، لكن بالعالم أكمل.
ويُنظر إلى القرار الصادم الذي اتخذه ترامب بالانسحاب الكامل من سوريا على أنه أكبر إشارة على إنهاء “العصر الأميركي”، كما يُنظر إليه على أنه بداية اضطراب عالمي.
ومع الوضع في الاعتبار التخبط الواضح في واشنطن، فإن عنصر عدم الرجوع واضح.
وتؤدي خطوة ترامب إلى إعادة ترتيب الأوراق في الصراع السوري متعدد الجوانب. وصحيح أن البعض قد يرى أن هذا القرار يُعد استمرارا للعمل بقرار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بسحب القوات الأميركية من العراق في عام 2011، إلا أن الوجود الأميركي في سوريا كان يساعد في الحفاظ على التوازن الدقيق.
لكن القرار يصب في صالح من؟ إذا ما وضعنا في الاعتبار التهديد المستمر بتوجيه الاتهامات والفوضى الحالية التي تشهدها العاصمة الأميركية، فإن الخطوة لا رجعة فيها، وتفتح الأبواب أمام المزيد من النفوذ الجغرافي والسياسي لروسيا، والتي استطاعت حتى الآن إخفاء سعادتها.
وتقدر موسكو اعتراف ترامب بالجهود الروسية لجعل حكومة الرئيس السوري بشار الأسد عنصرًا محوريًا في أي حل، وإقامة موطئ قدم دائم لها في شرق البحر المتوسط.
وإذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإمكانه إقامة توازن دقيق بين طهران ودمشق، وأن يكون هو المدافع عن أكراد سوريا ويساعدهم في الحصول على نوع من أنواع الحكم الذاتي، فإنه سيصبح المهندس الرئيسي للدستور السوري الجديد.
وسيساعد بوتين قطعًا الجماعات الكردية المسلحة التي تسيطر على أجزاء كبيرة من شمال شرق سوريا في القدوم إلى الأسد. وكان أكراد سوريا قد أشاروا بالفعل إلى استعدادهم للتفاوض للتسليم للأسد في خطوة يأملون في أن تضغط على أنقرة.
لكن ماذا عن أردوغان؟ إن هذا الجانب ممتع. فإذا كانت التقارير صحيحة، فإن ما أغضب ماتيس هو تصعيد أردوغان ووزرائه، خاصة وزير الدفاع التركي الجنرال خلوصي أكار، الذين واصلوا التهديد بدفن الأكراد. ومن الضروري ملاحظة أنه في خضم هذه الأزمة فإنه يتم عزل واشنطن، والبنتاغون هو في الغالب الذي يشعر بطعنة في الظهر من كل من ترامب وتركيا.
ولفترة طويلة كان الجناح المهيمن في واشنطن يُفضل استرضاء أردوغان، ويرفض إدراك مدى صعوبته كمقامر. ولم يدركوا حقيقة أن أردوغان ليس مفاوضًا يسعى للإجماع، إنه يعتبر أن هذا نوعًا من المصارعة يجب أن يفوز فيها طرف واحد.
وبناء على ذلك، فأردوغان لديه فهم قليل للأعمال الداخلية في تحالف حلف شمال الأطلسي. لكنه نجح في أن تضع حكومته طوقًا حول الإدارة الأميركية القوية، وساعدت في إضعافها في منطقة وجودها مهم فيها بشكل حيوي.
والآن، يعرف ماتيس وآخرون إنهم تعرضوا للتضليل، إن لم يكن للخداع، بسبب نوايا أنقرة غير المعلنة بعدم ترك أي مكان تقريبًا للولايات المتحدة في العملية السورية.
وحتى الآن، يجب ألا يكون هناك أي وهم بأن أردوغان هو المنتصر. فقراره بتأخير شن هجوم تركي عبر الحدود ينبع من المأزق الذي يعاني منه الآن.
أولًا، إن اللهجة القوية المناهضة لأميركا التي انتهجها أردوغان لأشهر -وخطواته لشراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس -400، وتهديداته ضد وحدات حماية الشعب الكردية السورية -كانت أداة يأمل أن تضغط على واشنطن لاستثناء تركيا من الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران وأن تُطلق لها العنان لاختيار طريقه فيما يتعلق بقضايا السياسة الخارجية الإقليمية.
وربما تجعل خطوة ترامب المفاجئة أردوغان يشعر أن هذه الأداة من الضغط تعرضت لضعف شديد، إن لم تكن قد تلاشت.
ثانيًا، إن الانسحاب الأميركي يضع نهاية لحلم أردوغان لسوريا بدون الأسد وأن تحل محله إدارة سنية تخضع لهيمنة تركيا.
وليس سرًا أن أردوغان يشعر بأنه يخضع لحصار في أنقرة من قبل الدوائر القومية، والمناهضة للولايات المتحدة، والمؤيدة لروسيا التي تدفعه لإعادة بدء محادثات مع عدوه الأسد. وربما يكون ليس هذا اليوم ببعيد.
وفي حالة حدوث هذا، فإن أردوغان سيضطر للتخلي عن طموح كبير بالنسبة له، وربما يرى موقفه يضعف تدريجيًا.
وربما يكون ترامب قد ساعد في دق المسمار الأخير في نعش التوسعات العثمانية الجديدة، التي كان يروج لها وبقوة أردوغان ورئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو.
إن ما سنشهده هو صراع قوى عظيم في أنقرة بين أردوغان والقوميين المعزولين. ومع الوضع في الاعتبار الاضطراب الهائل وتحول التحالفات في المنطقة، فإن صراع القوى يمكن أن يحصل على زخم ويؤدي إلى تحطم الساحة السياسية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق