تركيا للأطباء الأكراد: “لا مكان لكم هنا”

الكاتب: فاروق باليكجي

المصدر:صحيفة الاحوال التركية

صبت عمليات التطهير التي أعقبت محاولة الانقلاب في تركيا تركيزها على هدف آخر.
ففي ديار بكر، أكبر مدينة في جنوب شرق تركيا ذي الأغلبية الكردية، تم فصل نحو 150 طبيبا و350 عاملا في قطاع الرعاية الصحية من العمل في الآونة الأخيرة بموجب مرسوم رئاسي. وعلى نحو مشابه، تم حرمان كثير من خريجي كليات الطب من وظائف وذلك “لأسباب أمنية.”
والرعاية الصحية هي القطاع الأحدث الذي تستهدفه عمليات التطهير الحكومية في أعقاب محاولة الانقلاب التي وقعت في يوليو 2016. ويقول منتقدون إن قانونا للرعاية الصحية صدر مؤخرا سيجعل الأطباء أكثر عرضة للفصل من العمل، ولا يوفر الحماية من العنف للعاملين في الرعاية الصحية، كما يوسع خصخصة نظام الرعاية الصحية ويجبر خريجي كليات الطب على الخضوع لفحص أمني قبل قبولهم للعمل في مستشفى عام.
وبدءا بإعلان حالة الطوارئ في يوليو 2016 واستمرارا بعد تعديل الدستور التركي في استفتاء للتحول إلى النظام الرئاسي في مطلع عام 2017، دأب الرئيس رجب طيب أردوغان على إصدار أوامر تنفيذية لها قوة القانون.
بعض تلك الأوامر التنفيذية لا يتضمن أكثر من قوائم بأشخاص يتم فصلهم من وظائفهم. ولا يستطيع هؤلاء العمل مرة أخرى في نفس المجال أو مغادرة البلاد. ونالت تلك القوائم من مهنة تلو الآخر: بداية من الموظفين العموميين ثم المعلمين ثم أساتذة الجامعات فالمحامين والآن العاملين بقطاع الرعاية الصحية.
انتهت حالة الطوارئ في يوليو 2018، فيما حد من صلاحيات الرئيس لإصدار أوامر تنفيذية. غير أن هناك مشاريع قوانين محددة في البرلمان تهدد بترسيخ جوهر ومحتوى تلك الأوامر في القانون. وجرى إقرار أحد مشروعات القوانين تلك في الآونة الأخيرة، فيما أثر على العاملين في قطاع الرعاية الصحية الذين تم فصلهم بأمر تنفيذي.
تقول المادة الخامسة من القانون إن أي موظف في القطاع الصحي يُتهم بدعم منظمة إرهابية ينبغي فصله من العمل وتكون أي تقارير طبية يصدرها لاغية.
قال كمال كرداش، الذي فُصل من عمله قبل نحو عامين بعد 25 عاما من العمل كجراح في مستشفى الأيوبي العام، إن المادة الخامسة ليس لها أي سند قانوني وتمثل دليلا آخر على أن السلطة التنفيذية تصنع أي قوانين تريدها. وأضاف أنهم بإصدارهم قوانين وفقا لأهوائهم، فهم يدوسون بأقدامهم على مهنة الطب. ويفتقر هذا إلى المنطق أو الإنسانية.
وحتى الآن، لا يزال الأطباء الذين يتم فصلهم من المستشفيات العامة قادرين على العمل بالمستشفيات الخاصة. لكن نص القانون الجديد يمنع أي مستشفى يقبل التأمين الصحي الخاص بالدولة من توظيف هؤلاء الأطباء كما يمنع هؤلاء الأطباء من علاج أي شخص يغطيه هذا التأمين. ولا يقدر الأطباء على ممارسة مهنتهم.
سافر الدكتور كرداش إلى مدينة أدرنة، قرب الحدود اليونانية، مع مجموعة من الأطباء الذين تم فصلهم من العمل وحاول التخلي عن جنسيته التركية. ولم يُسمح لحد منهم بمغادرة البلاد.
وينطبق هذا القانون أيضا على الطلاب الذين يدرسون الطب، إذ أنهم باتوا مطالبين الآن بالخضوع لفحص أمني من أجل ممارسة المهنة. وأشار الدكتور كرداش إلى أن هذا القانون يزيد من عنصرية المؤسسات ضد الأكراد. كان الأمر بالفعل أصعب على المواطنين الأكراد لدخول مهن عامة مرموقة مثل أساتذة الجامعات والقضاة والمحامين والجنرالات ورؤساء البلديات وحكام الأقاليم. والآن سيكون العمل كأطباء أكثر صعوبة عليهم أيضا.
فقد أكثر من 40 ألف شخص أرواحهم خلال الصراع الدائر بين حزب العمال الكردستاني الانفصالي والحكومة التركية. كم عدد الأسر الكردية التي بوسعها اجتياز الفحص الأمني؟ في منطقة لم تشهد قدرا كبيرا من الصراع، يوجد في كل أسرة تقريبا عضو تم اعتقاله أو اتهامه أو ربطه بجماعة محظورة. ويرى الدكتور كرداش أن هذا الإقصاء الممنهج للأكراد من الوظيفة العامة يمثل شكلا من الإقصاء العنصري.
الأطباء الذين أمضوا سنوات من عمرهم في التعليم والتدريب من أجل ممارسة مهنتهم سيجدون أنفسهم فجأة مضطرين للتحول إلى سبل أخرى لكسب العيش أو مغادرة البلاد. وجرى إبلاغ ابنته، التي درست القانون، بأن تتخلى عن أملها في أن تكون قاضية. ونظرا لوجود اسم والدها على قائمة التطهير فقد قيل لها إنه ليس أمامها أي فرصة في ذلك. ما الذي سيفعله مثل هؤلاء الشباب؟
خلال الحرب العالمية الثانية استقر كثير من أساتذة الجامعات وأصحاب المهن الأخرى في تركيا بعدما طردهم النازيون من أعمالهم، وأسسوا جامعات وعلموا جيلا كاملا من الطلاب الأتراك. وأشار كرداش إلى أن الأساتذة والأطباء الأتراك ربما يضطرون لفعل العكس- الرحيل من تركيا إلى بلدان أوروبية. وبسبب تلك الظاهرة أطلق البعض في تركيا على هذا القانون اسم “قانون النازي.”
ورثى الدكتور فيسي أولجن، الذي تم فصله من عمله الذي أمضى فيه 28 عاما، حال نظام الرعاية الصحية في تركيا. وقال إن المستشفيات تفتقر إلى الإمدادات الضرورية. وتوجد صفوف انتظار طويلة، حتى في المستشفيات الخاصة. ويزعم أن هذا القانون مرتبط بالتقشف أثناء الأزمة الاقتصادية الحالية لكنه يقول إنه ينبغي عدم تقليص الرعاية الصحية كإجراء لخفض التكاليف. وخفض ميزانيات الرعاية الصحية سيؤدي إلى الوفاة والمرض.
ويقول إن البنود الأخرى في مشروع القانون لا تقل خطورة عن هذا البند. الهدف منه إفقار العامة وجعلهم أكثر تبعية. وبتركهم الأطباء دون عمل، فهم يبعثون برسالة مفادها أنه لا مهنة مقدسة. وإذا أقر القانون، فسيمثل ضربة قوية للمهنة وستكون له عواقب وخيمة بالنسبة للحصول على الرعاية الصحية.
وتجمع الأطباء المفصولون من العمل والذين ألغيت شهاداتهم والعاملون بالرعاية الصحية وطلاب الطب في ديار بكر في الآونة الأخيرة للاحتجاج، وتعهدوا بالتصدي للهجمات على مهنهم وسبل كسب العيش.
وقال محمد شريف دمير رئيس نقابة أطباء ديار بكر إنه منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، استخدم الأوامر التنفيذية ومشروعات القوانين لتمرير أجندته، حيث يدس التشريعات الخاصة بالرعاية الصحية في مشروعات قوانين تركز على أمور أخرى. تسبب هذا في فشل ذريع في نظام الرعاية الصحية الذي يتم خصخصته بشكل متزايد وتحويله إلى صناعة هادفة للربح.
وقال الدكتور دمير إن الأطباء لم يعد لديهم حافز لعلاج العمال جيدا، ويتعاملون مع المرضى على أنهم زبائن لا على أنها خدمة عامة. وبات العنف ضد العاملين في الرعاية الصحية شائعا بشكل متزايد.
وقال الدكتور دمير “كافحنا من أجل تشريع يمنع العنف ضد العاملين في الرعاية الصحية… في مشروع القانون الذي أقر في نهاية المطاف، تم حذف كل الإشارات إلى العنف ضد العاملين في الرعاية الصحية ووضعوا بدلا منها مواد جعلت وضع نظام الصحة العامة أسوأ. بدلا من منع العنف، وهو ما كان من المفترض أن يفعله مشروع القانون، فقد ساهم في خصخصة الرعاية الصحية ومحاباة الدولة لجهات خاصة بعينها”.
وأضاف “الآن، وصلنا إلى نقطة يكون فيها على الطالب الذي يدرس ست سنوات لدخول هذه المهنة أن يجتاز فحصا أمنيا تعسفيا، وإذا لم يستطع فلا يمكنه ممارسة الطب… هذا حرمان تام من الحقوق المدنية. لا يوجد قانون مثل هذا في أي بلد آخر”.
وتم إبلاغ روجين يلمظ، خريجة الطب البالغة من العمر 22 عاما، في الآونة الأخيرة بأنه لن يسمح لها بممارسة الطب لأنها فشلت في اجتياز الفحص الأمني. وقالت إن معظم زملائها الذين تخرجوا معها لم يعينوا في أي وظيفة لنفس السبب، برغم عدم وجود سجل جنائي لهم. ونظرا لأنه لم يتم إخطارها كتابة رسميا أبدا، فلا سبيل أمامها لمعرفة سبب عدم اجتيازها الفحص الأمني ومن ثم لا يمكنها الطعن على القرار.
وتم فصل يوكسيل تيكين أفجي من عملها كممرضة قبل نحو عامين، وتعمل حاليا بالتدريس في مدرسة ثانوية فنية تعد الطلاب للعمل بمجال الرعاية الصحية. تقول إن هذا القانون بعث لها برسالة واحدة، ألا وهي: “نحن لا نعطيك أي فرصة في البقاء أو مكان في المجتمع”.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق