جولات أستانا صفقات بيع وتغيير ديموغرافي

الحوار المتعدد وجمع الأطراف على طاولة واحدة بحضور اممي لتحقيق عملية السلام، كان هذا هو الهدف الذي أعلنته ما تسمى بالدول الضامنة في اجتماعات الاستانة، لكن ما جرى على الأرض منذ انطلاق أولى جولاتها في الثالث والعشرين من شهر يناير/كانون الثاني عام 2017 بعد اتفاق “روسيا وتركيا وإيران” على إجراء محادثات تكمل مفاوضات جنيف، لم يكن سوى صفقات على حساب الشعب السوري، من تكريس للتقسيم والتغيير الديموغرافي، وتقاسم لمناطق النفوذ على الجغرافية السورية، بدلا من إنشاء آلية ثلاثية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار والتأكيد على الحل السياسي في سوريا. وفق ما تعهدت الدول الراعية.
وفي السادس عشر شباط/فبراير الماضي تمخضت الجولة الثانية من مفاوضات استانا على إنشاء آلية حازمة لمراقبة الهدنة، وتشكيل آلية لتبادل المعتقلين بين الفصائل المسلحة والنظام، لكن الاجتماعات شهدت حينها خلافاً حاداً بين النظامين السوري والتركي بسبب الأحتلال العسكري التركي لبعض المناطق في سوريا، ما دفع الجانب الروسي لإيجاد أرضية مشتركة بين الجانبين، يسمح من خلالها بالتمدد التركي في مناطق محددة من سوريا، كتعويض لها عن فشلها الذريع في إدارة الصراع، مقابل اطلاق العنان للنظام لكي يستفرد في الميدان ويوسع مناطق سيطرته بعد ان أفلت منه زمام المبادرة وبات يسيطر على مناطق محددة، فيما تحاصره الفصائل المسلحة على مقربة من دمشق.
جولة مباحثات استانا “3” قدمت فيها روسيا اقتراحات بوضع دستور للبلاد وانتهت بمفاوضات عرضية في ظل مقاطعة الفصائل المسلحة، أما خلال الجولات الرابعة والخامسة والسادسة فقد نتجت عنها اتفاق ما يسمى مناطق خفض التصعيد التي تشمل إدلب وما حولها والغوطة والمنطقة الجنوبية وريف حمص الشمالي، واعلان تركيا عن عملية عسكرية في إدلب ونشر قواتها في ريف حلب الغربي، لتكون بمثابة إطلاق الرصاصة القاتلة التي أسكتت الفصائل المسلحة الممولة تركياً، ما افسح المجال لتنظيم داعش الإرهابي ليسيطر على مساحات شاسعة، ثم يعلن النظام “الانتصار تلو الآخر”، ولينتهي المطاف بتحقيق أولى أهداف الطرف الإيراني، عبر فتح طريق متصل يربط طهران ببيروت، عبر بغداد ودمشق.
وفي الجولتين السابعة والثامنة خصصت لبحث آلية مراقبة خفض التصعيد وملفي المعتقلين وإدخال المساعدات الإنسانية، وإطلاق جولة مباحثات جديدة في مدينة سوتشي الروسية، فيما جاءت كسابقاتها مخيبة للآمال وانتهت بانسحاب المتحدثين باسم الفصائل المسلحة، موكلين تركيا التحدث باسمهم، بعد أن تمت عملية مقايضة عفرين مقابل الغوطة الشرقية.
ووسط تغيرات كبيرة في الميدان السوري في وقت تغير فيه الكثير من المعادلات التي كانت موجودة في الجولات السابقة، حمل البيان الختامي لجولة إستانا “9” بين طياته استمرار عمل ما يسمى مناطق خفض التصعيد بالتزامن مع غارات جوية للنظام على مناطق في ريف إدلب، متسلحا باتساع رقعة الجغرافية التي يسيطر عليها من 20 % إلى 60 % بفضل هذا الاتفاق الذي يرى مراقبون أنه كان بمثابة طوق نجاة لتركيا، فيما أطلق الرصاصة على ما يسمى “المعارضة” وأنهاها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق