جولة الصحافة من قناة اليوم

“جنون العظمة”

صحيفة “رأي اليوم” نشرت مقالاً لرئيس تحريرها، عبد الباري عطوان، تحت عنوان “أردوغان يَفتحْ النّار فَجأةً على الأسد ويُجدّد المُطالبة برَحيلِه”.

جاء في المقال ربّما لا نُبالغ إذا قُلنا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أكثر الزعامات “الشرق أوسطيّة”، بل حتى العالميّة، إثارةً للجَدل، والأكثر صُعوبةً بالنّسبة إلى السّياسيين والمُحلّلين، للتّنبؤ بمِواقِفه، وتَحرّكاتِه، وتحالفاتِه، وجاءت تصريحاتِه الأخيرة “المُفاجِئة”، التي أدلى بِها في المُؤتمر الصحافي الذي عَقده مع الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي، وهاجم فيها الرئيس بشار الأسد، ووصفه بأنّه “إرهابي” ولا يُمكن التوصّل إلى حَل في سورية في ظِل بَقائِه في السّلطة، لتُؤكّد عَملياً ما نَقول.

يقول الكاتب العلاقات السوريّة التركيّة دَخلتْ في الشّهرين الماضيين دَرجةً عالِيةً من التطوّر الإيجابي، بسبب الدّور الفاعِل للوَسيط الرّوسي في التّقريب بين الجانبين، وترافق ذلك مع هُدنةٍ إعلاميّة، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك الشهر الماضي، عندما قال أنّه لا يَستبعد فتح قنوات الحِوار مع سوريا.

السؤال الذي يَطرح نفسه بقُوّة هو عن الأسباب التي تَكمن خلف هذهِ “الغضبة الأردوغانيّة”، التي استدعت ردا سورياً قوياً عليها، وصلت إلى درجة اتهام بيان الخارجيّة السوريّة له بأنه يُضلّل الرأي العام التركي بـ”فُقاعاتِه المُعتادة “لتبرئة نفسه من الجرائم التي ارتكبها في حَق الشعب السوري عبر تَقديمه الدعم اللامحدود بمُختلف أشكاله للمَجموعات الإرهابيّة في سورية”، وأضاف البيان “أن أردوغان حَوّل تركيا إلى سِجنٍ كبير” واتّهمه بجُنون العَظمة.

ويضيف الكاتب ُهناك عِدّة احتمالات ربّما تُفسّر هذا الهُجوم المُفاجِئ من الرئيس أردوغان على الرئيس الأسد وتَجديد المُطالبة برَحيله.

الأول: إصرار الجانب الروسي على إشراك وحدات حماية الشعب الكُرديّة في مُؤتمر الحِوار السوري في مُنتجع سوتشي أواخر الشّهر المُقبل، الأمر الذي يُعارضه الرئيس أردوغان بشِدّة، وعَبّر عن مُعارضته هذه بالإيعاز إلى أكثر من 40 فصيل سوري مُعارض لإصدار بيانٍ بِرَفض المُشاركة في المُؤتمر.

الثاني: التحرّك السوري الروسي المُشترك باتجاه إدلب، ومُحاولة استعادتها، وهذا يَعني إنهاء الوجود التركي في المدينة وريفها، بل وسوريا كُلّها.

الثالث: تصريح وزير الخارجيّة الروسي سيرغي لافروف الذي قال فيه أن المَرحلة المُقبلة في الحَرب السوريّة هي القضاء على جبهة “النصرة” قضاءً مُبرماً، باعتبارها جماعةً “إرهابيّة.

الرابع: تَردّد أنباء عن وجود مُخطّط روسي سوري بتصفية أبو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة الذي يُعتبر أحد أبرز المُقرّبين إلى تركيا، الأمر الذي أغضب أردوغان شخصيّاً لأنّه يَعتبر هذا المُخطّط في حالِ تَنفيذه استهدافاً له.

الخامس: وصول مَعلومات استخباريّة إلى السلطات التركيّة تُفيد بأنّ نَظيرتها السوريّة تُنسّق عَسكرياً بشكل مُكثّف مع الكرد  في عفرين ومناطق أُخرى في الشّمال السوري، وهو ما يُعتبر خطًّاً أحمر بالنّسبة إلى الرئيس أردوغان.

ويتابع الكاتب من الصّعب علينا التكهّن بتطوّرات هذهِ الأزمة المُفاجئة بين الرئيس أردوغان وحُلفائه الروس، وتَصعيده ضِد الرئيس الأسد، وردّة الفِعل الإيرانيّة عليها، لكن ما يُمكن قَوله بشَكلٍ أوّليّ أن الرئيس التركي يُهدّد بقَلب الطّاولة على الجميع، وخَلطْ الأوراق، في مُحاولةٍ لإجبار الجانب الروسي تحديداً على التّجاوب مع مَطالبه وأبرزها “الفيتو” الذي يُشهره في وَجه أيِّ مُشاركة كُرديّة في مُؤتمر سوتشي أواخر الشهر الحالي، ومُستقبل سوريا بالتّالي، ولعَلّ إرساله رئيس الوزراء بن علي يلدريم إلى الرياض أحد أوراق الضّغط التي يُلوّح بِها، وكأنّه يُوجّه رِسالةً تَقول بأنّ البَديل الآخر جاهز.

ويختم الكاتب الرّوس، وجادون في المُضي قُدمًا في ترتيبات مُؤتمر الحِوار في سوتشي، ومُشاركة الأكراد فيه باعتبارِهم أحد المُكوّنات السوريّة، وإنهاء وجود “جبهة النصرة”، وفصائل أُخرى مُسلّحة مُتحالفة مَعها في مِنطقة إدلب، الأمر الذي قد “يُضعضِع″ التّحالف الثّلاثي الروسي الإيراني التركي الذي تَبلور في قمّة سوتشي قبل شَهر تقريباً إذا لم يتم تَطويق الخِلاف مع تركيا، وامتصاص “الغضبة الأردوغانيّة” سَريعاً.

“الحَرد” التركي ليس جديداً، وأثبتت التّجارب السّابقة أن فلاديمير بوتين، وبِما يَملُكه من حِنكة، ودَهاء، قادرٌ على التّعاطي بفاعِليّةٍ مع حُلفائه “المُشاغبين”، وامتصاص غَضبِهم ، وإعادتهم بالتّالي إلى بَيت الطّاعة الروسي في نَهاية المَطاف.. لأن الخَيارات الأُخرى مَحدودة ومُكلفة جداً.. وما عَلينا إلا الانتظار.

وَهْم الإمبراطورية

تناول مركز “المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة” مقالاً للكاتب سامح الجارحي:

جاء في المقال يهيمن على سياسات وتوجهات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، “حلم إحياء الإمبراطورية العثمانية”، وعلى الرغم من نفيه سابقا في مراحل مبكرة من صعوده السياسي رغبته في إعادة تأسيس الدولة العثمانية؛ إلا أن خطاباته العصبية الحادة في الآونة الأخيرة وسياساته العدائية تجاه المعارضة ودول الجوار والقوى الدولية تكشف عن رغبة مُلحة لشغل مكانة “السلطان الجديد”، على حد تعبير بعض الأكاديميين الأتراك، وهو ما يرتبط بعمليات تفكيك وإعادة هيكلة الهوية التركية، وتبني مظاهر وتجليات الإرث العثماني وسياسات الهيمنة والتوسع الإقليمي لإعادة إنتاج عهد “الاستعمار العثماني” في منطقة الشرق الأوسط.

يقول الكاتب انعكس تعصب أردوغان للعثمانية على سياساته الداخلية والإقليمية والدولية وهو ما يتجلى فيما يلي:

1- يتبع أردوغان نفس السياسات التي كان يتبعها بعض حكام وملوك الدولة العثمانية من إقصاء للمعارضين، فعلى سبيل المثال قام بالقبض على عدد كبير من المعارضين بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو 2016، وتضمنت حملة الملاحقات السياسية تسريح العديد من الموظفين وضباط الشرطة والجيش، وإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، بحيث أضحى أردوغان ممثلاً لكافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

2- انتهج أردوغان سياسات النفوذ والتوسع الإقليمي من خلال التدخل المستمر في شؤون دول الإقليم، حيث لا تخلو خطاباته السياسية من طرح رؤى حول السياسات الداخلية لدول الجوار تُعد بمثابة انتهاك للسيادة، فضلاً عن المفردات شديدة العدائية التي يتبناها ضد من يعتبرهم “خصوماً إقليميين” لهيمنة تركيا.

ولا يقتصر التوسع الإقليمي على الخطابات الحماسية، إذ قامت تركيا بدعم التيارات الدينية المتطرفة في عدد كبير من دول المنطقة، ووفرت لهم المأوى والاستضافة والدعم المالي والمنصات الإعلامية التي تروج لأفكارهم ودعمهم التنظيمات الإرهابية في سوريا من خلال السماح بتسلل المقاتلين والتمويل والأسلحة عبر الحدود.

وفي السياق ذاته قامت تركيا بالتدخل العسكري المباشر في سوريا والعراق، كما تقيم تركيا عدداً من القواعد العسكرية في دول مختلفة، منها: قطر، وشمال قبرص، وسوريا، وأذربيجان التي قامت فيها ببناء أول قاعدة عسكرية لها في نوفمبر 2017، كما تعتزم بناء 8 قواعد عسكرية أخرى.

3- اتجه أردوغان إلى تأسيس جماعات مؤيدة له، على غرار ما قام به السلطان “أورخان الأول” من تأسيس “الانكشاريين”، والتي تعني “الجيش الجديد”، وذلك لعدم ثقته في الجيش الموجود في ذلك الوقت.

ختاماً، يُرجّح أن تتصاعد السياسات العدائية التي يتبناها أردوغان في مواجهة الدول العربية نتيجة هيمنة “التعصب العثماني” على نسقه العقيدي ورؤيته للعالم، وهو ما يدفعه لمحاولة الهيمنة على الشرق الأوسط، والسعي لإعادة إحياء “الإمبراطورية العثمانية”، والتدخل العنيف في الشئون الداخلية لدول الجوار، وإحكام الاستبداد السياسي داخليّاً، ودعم التيارات الدينية المتطرفة على امتداد الإقليم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق