“أهم الأهداف التي جمعت إيران والقاعدة في حلقة واحدة”

اتَّصف التعاون بين إيران وتنظيم القاعدة بأنه علاقةٌ غامضة، إذ أن هذا التنظيم يمثل العدو الأيديولوجي الأشدَّ للشيعة، الذين يُفترض أن إيران تمثل دولتهم الكبرى في العالم، لكنَّ علاقة التنظيم بتشكيلات الحرس الثوري، وبخلايا المخابرات الإيرانية لا تبدو سيئةً البتة.

فقيادة مكتب الارتباط الخاص بتنظيم العلاقات الإيرانية مع التنظيمات السنِّية المتشددة والمسماة “قرار كاه قدس” تتولى نقل وتمرير قيادات التنظيم من أفغانستان وإليها، عبر محطاته المنتشرة في باكستان إلى حدٍّ كبير، وفي مناطق العراق وجنوب لبنان وسوريا.

العلاقة بين الجانبين يمكن وصفها بأنها صداقةٌ لدودة، فالاثنان مختلفا الأهداف، متباعدا الطرق، متعاديان إلى حدِّ التقاتل، لكن القاسم المشترك بينهما هو العداء لأمريكا، وهو الشيء الوحيد الذي يساعدهم دائماً على تجاوز الخلافات والخروقات لإلحاق أكبر الأضرار الممكنة بما سموه “الشيطان الأكبر”.

وتعود قصة هؤلاء إلى عام 2001، حينما كانت القوات الأمريكية وحلفاؤها من قوات الشمال الأفغاني وهي تتجه نحو كابول للإطاحة بحكومة طالبان، اختارت الحكومة الإيرانية بقيادة الرئيس محمد الخاتمي، أن تدعم تحالف الشمال الأفغاني، لكن المرشد الأعلى علي خامنئي، كان قلقاً من وجود قوات أمريكية على حدود بلاده الشرقية، أرسل مبعوثين إيرانيين إلى قندهار معقل طالبان آنذاك، لفتح قناة اتصال، وتقديم بعض الدعم، لكن طالبان لم تكن بحاجة إلى الأسلحة أو المال، بل كانت تحتاج إلى ملاذ آمن للخروج من أفغانستان نتيجة الحرب الدائرة فيها، ووافقت إيران على توفير ذلك لهم.

وعلى مدى تلك الحقبة الطويلة حظي هذا التنظيم بدعم واضح ومساعدات كثيرة من إيران، إذ شكلت أحداث11/سبتمبر، 2001، منعطفاً حاسماً في توثيق العلاقة بين القاعدة وإيران التي سبقت ذلك التاريخ، فعقب الاجتياح الأمريكي لأفغانستان وسقوط حكومة طالبان، لجأ إلى إيران أكثر من100 من أعضاء وعناصر القاعدة وعائلاتهم من بينهم عائلة أسامة بن لادن.

كان المنسق العام في تلك الفترة اللبناني” عماد مغنية” اغتالته إسرائيل في 2008، وتكوين خارطة لتنظيم القاعدة مع التنظيمات الأخرى، كما اتسمت المرحلة بتبادل مصالح بين القاعدة والنظام الإيراني، والسماح باستخدام الأراضي الإيرانية بمقابل مادي، فقد نجحت إيران في بناء علاقة ثقة عبر وسطاء لابن لادن شخصياً، بالإضافة لاحتواء وتوظيف إيران لعناصر من تنظيم القاعدة، كما أن المسألة تعدَّت من عبور مقاتلي القاعدة إلى حمايتهم وتوفير معسكرات تنفيذ عمليات خارجية من داخل إيران.

أما بالنسبة لإيران فكان التعاون عن طريق إطلاقها سراح خمسة قياديين من التنظيم، مقابل إخلاء القاعدة سبيل دبلوماسي إيراني “حشمت الله زادة” الذي اختطف في اليمن، وحماية المراقد الشيعية في العراق، بالإضافة لاستغلال العلاقة بالقاعدة في القيام بعمليات ضد بعض الدول، في حال توتر العلاقات في ما بينهما وعلى رأسها السعودية، كما أن وجود عناصر تنظيم القاعدة في إيران يمنحها قوة تفاوضية، ولاسيما في علاقتها مع الولايات المتحدة، إذ تصبح لديها القدرة على تسهيل انتقال هذه العناصر إلى العراق وأفغانستان، أو أن تزيد من الخناق عليهم، وتوفير الدعم اللوجستي للقاعدة، قد مكنها من حماية نفسها من أي هجمات محتملة يقوم بها التنظيم داخل الأراضي الإيرانية، والأهم هو إغراق المنطقة العربية  في بحر من الفوضى، عبر رعاية ودعم المجموعات الإرهابية، إذ قدم النظام الإيراني كل التسهيلات والسبل لتوصل تلك التنظيمات داخل سوريا إبان بداية الثورة هناك.

انتهجت طهران سياسة تهريب قيادات بتنظيم القاعدة كانت تأويهم في أراضيها إلى تنظيمات إرهابية أخرى مثل “داعش وجبهة النصرة” في دول الجوار بالعراق وسوريا، أو في ليبيا وتركمانستان لتحقيق أهداف دولية وأخرى تخريبية.

بعد مقتل أسامة بن لادن، عام 2011، أحسّت إيران بالخطر في ظل معاناة التنظيم من اختراقات وخلافات حادة، بدأت إيران بعدها في العمل باتجاهين، أولها تسريب القيادات خارج أرضيها، والثانية مقايضة بعض الدول بتسليم قيادات بالقاعدة مقابل ملفات وأجندات محددة، مثلما حدث في تسليم أبو حفص الموريتاني، لدولة موريتانيا عام 2012.

 فقد كان من أهم أهداف تسريب قيادات القاعدة:

الخروج من التبعات القانونية الدولية، عدم التورط بتهم حضانة الإرهاب، ضمان تطبيق الأجندات الإيرانية بحسب ولاء الجماعات الإرهابية الأخرى، والتقيد بمنظومة واحدة لتنفيذ الأجندة الإيرانية.

أفصحت الولايات المتحدة عن هذه الوثائق بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، بمنزله في مدينة “آبوت آباد” في باكستان من خلال مصادر استخباراتية أمريكية، والظاهر أن ما توافر من أدلة لعلاقات إيران بمنظمات تتصدر قوائم الإرهاب الأمريكية، لم يحل دون منح الجمهورية الإسلامية المباركة كلاعب كامل الصلاحية على المستوى الدولي.

 يمكن القول أن هذا يفسر براغماتية الدبلوماسية الخارجية الإيرانية الساعية إلى تصدير الثورة الإسلامية، وهو هدف مشترك لطهران والقاعدة، حتى أن الطرفين غالباً ما يوحدان جهودهما وينسقانها باتجاه أعدائهما التاريخيين المفترضين.

خلاف نشب بين رفاق السلاح” داعش” وتنظيم القاعدة كشف عن حقائق كثيرة، عندما تحدث أمير التنظيم “أبو محمد العدناني” في تسجيل صوتي له أعلن فيه صراحة عن علاقة  إيران بالقاعدة، حين قال أن للقاعدة دَيناً ثميناً لطهران، وإن تنظيم “داعش” كبح جماح جنودها امتثالاً لطلب قادة القاعدة، وقد شن مفتي جبل لبنان الشيخ “محمد علي الجوزة” على حزب الله، وعدَّ في حوار أجرته معه “الوطن”، مجرد أداة لتنفيذ أجندة إيرانية، تسعى لتكريس طهران كقوة وحيدة في الشرق الأوسط، وهو قاده إلى المطالبة بضرورة محاكمة قادة حزب الله، الذين أعطوا الأمر باغتيال الرئيس رفيق الحريري، إرضاءً لبشار الأسد.

وأخيراً “شهد شاهد من أهله” حين أعلنت داعش صراحةً العلاقة بين الجانبين، لتكتب الفصل الأخير من سلسلة مراوغات القاعدة وطهران، والذين يسعيان بكل ما أوتيَ من قوة أن يشككا بتلك العلاقة، بل وبنفيها من الأصل.

 

إعداد: نور عايد وادي