الكرد مرة أخرى واجهة العالم

إبراهيم ابراهيم

في زحمة القضايا العالقة والحروب المذهبية والقومية، وفي ظل الإرهاب الدولي المتزايد، والذي يهدد العالم أجمع، والمتمثل بتنظيم ” داعش” الأكثر إرهاباً وتوحشاً عبر التاريخ تتصدر المشهد مرة أخرى القضية الكردية بشقيها السوري والعراقي.

في ظل تواتر الأحداث وتشابكها، جاءت انتخابات الرئاسات المشتركة للكومينات التي جرت في 22 أيلول الجاري في مناطق النظام الفيدرالي الديمقراطي، هذا النظام الذي أعلن عنه في وقت سابق من شهر آذار الماضي، وجرى بموجب الإعلان تشكيل مجلس تأسيسي للنظام ونظام رئاسي مشترك يضم جميع المكونات الاجتماعية السورية في الشمال السوري والذي يضم المقاطعات الكردية الثلاث، كوباني وعفرين والجزيرة، بالإضافة الى مناطق سيطرت عليها قوات سوريا الديموقراطية مؤخراً، في محافظتي الحسكة (شمال شرق) وحلب.

مضى يومان على ذلك الحدث والذي اعتبره مؤيدو المشروع الفيدرالي بأنه تاريخي ومرحلة جديدة لترسيخ النظام الديمقراطي الفيدرالي الذي يحمي سورية من الانشطار المذهبي وإعادة الحياة المدنية والمتعددة التي أفقدها نظام البعث العربي منذ عقود. وسط هذا التصميم والتفاؤل من مؤيدي المشروع وإدارته يظهر سورياً الرفض والمعارضة له عبر مواقف المعارضة العربية والإسلامية المدعومة من تركيا وقطر التي أعلن عنها ما يسمى بالائتلاف السوري المعارض، رافضاً ما سماه النظام الفيدرالي الكردي، ومحذرا من تشكيل “كيانات أو مناطق أو إدارات تصادر إرادة الشعب السوري”، مؤكداً في بيان له أن “لا مكان لأية مشاريع استباقية تصادر إرادة الشعب السوري”. وشدد على أن “تحديد شكل الدولة السورية، سواءً أكانت مركزية أو فيدرالية، ليس من اختصاص فصيل بمفرده”، بل سيتم ذلك “بعد وصول المفاوضات إلى مرحلة عقد المؤتمر التأسيسي السوري الذي سيتولى وضع دستور جديد للبلاد”. ويبدو أن هذا الموقف الوحيد الذي تجتمع فيه ما يسمى بالمعارضة السورية مع النظام الذي تعارضه..!! وهو رفض الاثنين لجميع المشاريع التي تتقدم بها مكونات الشمال السوري ذي الأغلبية الكردية، هذه المشاريع التي من شأنها أن تُوحد سورية المنقسمة مذهبباً وفئوياً وعلى أساس المصلحية الضيقة، حيث حذرت دمشق ما وصفته بـ “النيل من وحدة سوريا” وفق ما نقلت وكالة “سانا” الرسمية عن مصدر في وزارة الخارجية الذي حذر “الأطراف التي تسول لها نفسها النيل من وحدة أرض وشعب الجمهورية العربية السورية ..!! //التسمية التي أطلقها حزب البعث العربي على الجمهورية السورية بعد استلامه السلطة عام 1963// تحت أي عنوان كان بما في ذلك المجتمعون في مدينة رميلان” في محافظة الحسكة (شمال شرق) حيث تم اعلان النظام الفدرالي.

يأتي ذلك في وقت انهارت فيه الدولة في العديد من المناطق السورية ومع غياب قانونية النظام نفسه وشرعيته الأخلاقية والوطنية بعدما شهدت سورية مقتل مئات الآلاف من مواطنيها وهجرة و نزوح الملايين جراء ممارسات النظام و المعارضة و حربهم المذهبية المتواصلة، كما تأتي هذه المواقف المعادية للشعب الكردي في سياق الموقف التاريخي الرافض لكل ما هو كردي، فضلاً على غياب أية مبادرة أو حلول توحي بانفراجة ما، ليس فقط في العلاقة بين الكرد من جهة والمعارضة والنظام من جهة أخرى بل بين المجموعات العسكرية والسياسية في الائتلاف نفسه من جهة والنظام من جهة أخرى. ويأتي الموقف التركي بمسافة موقف النظام السوري والمعارضة نفسه، بل و أكثر عبر معارضتها لأي “خطوات منفردة لإقامة كيانات جديدة في سوريا على أساس عرقي”.

أما الشق الكردي العراقي أو ما يطلق عليه الكرد جنوبي كردستان // المنطقة التي خرجت من سيطرة النظام العراقي منذ عام 1991″ فهي ليست أقل من شقيقتها روجآفا – شمال سورية بمضمونها الكردي حيث يشكل الكرد الأغلبية//ـ أهمية وتشعباً وعداءً لها، فقد كشفت قضية الاستفتاء المزمع إجراؤه يوم غدٍ الاثنين 25 أيلول رفضاً إقليمياً ودولياً لها يحدد ذرائع من قبيل حماية الأمن الإقليمي وأولوية محاربة الإرهاب.! فقد أعلن التحالف الوطني العراقي في مؤتمر صحفي رفضه إجراء الاستفتاء ودعم إجراءات الحكومة ضده مشيراً إلى رغبة التحالف في حل هذه القضية بالوسائل الدبلوماسية. في هذا الوقت تتنافس كل من إيران و تركيا في محاربة هذا المشروع الكردي بكافة الوسائل من عسكرية وسياسية واقتصادية حيث وعد وزير الخارجية التركية ورئيس وزرائها بـ”الردود التركية الحاسمة”. أما إيران المختلفة مع تركيا في جميع القضايا اتفقت معها في هذه القضية عبر تهديدها بإغلاق حدودها البرية مع الإقليم. وكان مجلس الأمن الدولي قد أعرب في وقت سابق عن قلقه حيال إجراء الاستفتاء.

وفي ظل هذا الضغط الكبير الذي تتعرض له التجربتان الكرديتان في شمال سورية والعراق يبدو أن التصميم الكردي يزداد في تنفيذ مشاريعهم التي يعتبرونها حقا من حقوقهم المشروعة ويأتي في سياق العهود والمواثيق الدولية التي أقرتها جميع الدول.