أبعد من وباء

 

الكاتب: شورش درويش

تقسّم الأحداث الجسام التاريخ إلى شطرين. ففي مطلع القرن الحادي والعشرين ساهمت أحداث الحادي عشر من أيلول في تقسيم أوّلي للتاريخ، على اعتباره حدثاً مسّ الكون برمته، الأزمات والأحداث سواء أكانت طبيعية أم من فعل البشر أو الدول تبقى موضعية لا ترقى لأن تصبح أحداثاً كونية تخصّ الدول والقارات في الوقت ذاته، غير أن ما تسبّب به وباء كورونا الجديد، وضعه في مصافي الحدث المقسّم للتاريخ بطريقة حادّة، إذ أن الأوبئة التي تلفّ الكوكب يتضافر فيها الشرط السياسيّ بالاقتصادي بالثقافي بالصحّي والنفسيّ، بل تتشابك الأمور دون إمكانية للفصل فيما بينها.

في البلاد التي ضربها الوباء بقوّة، قاد الأمر الحكومات إلى اتخاذ قرارات تحدّ من حرية وحركة الأفراد. في الصين شُدّدت الإجراءات ضمن عملية كانت أشبه بتطبيق تدابير السجون على المدنيين، بات نموذج الحجر/السجن موضع احترام بقيّة الدول! مركزيّة القرار والأموال المتوفرة لدى الحكومة والأهم فلسفة الحزب الحاكم مكّنت الصين من احتواء الوباء وأفضت إلى ما يسمى بالدرس الصينيّ، لكنه درس لا يمكن استنساخه في أوربا أو الولايات المتحدة، ولا في أيّ حيّز أخر مئة بالمئة.

تأخّر ترامب في اتخاذ التدابير اللازمة. سخر من موضوع الفايروس، “يكفي أن تغسل يديك” فينتهي الأمر، في تغريداته أطلق على فايروس كوفيد 19 اسم “الفايروس الصيني”، وبذا امتزجت العنصرية برغبة تدمير الاقتصاد الصينيّ، أمّا في سوق أسهم الوباء الموازي لسوق الأسهم المالية، فقد حلّت الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة متخطّية دولاً أوربية، وربّما تصبح دولة رائدة إذا ما استمر الرئيس في التفكير في الأصوات الانتخابية أكثر من تفكيره في أصوات سعال المرضى. مصير ترامب مرتبط بعدّاد المصابين، لم يعد مصدر الخوف الحزب الديمقراطي ولا “الإخوة الأعداء” الجمهوريون، ولا تنفع الحذاقة ولا السخرية من الخصوم، كورونا ليست “نانسي بيلوسي” التي لم يصافحها الرئيس أمام عدسات الكاميرات فشعرت بالانكسار، مصافحة كورونا لا تردها الأيدي.

أوربا بدورها قطّعت أواصر وحدتها بيديها. تراخت في البداية، وخاضت دولها في سياسات مواجهة منفردة، ولأنها مرحلة غرق فليس بمقدور أحد مدّ يد العون للآخر؛ يد إيطاليا الغارقة في مستنقع الوباء تستشعر أيادي أطباء جاؤوا من كوبا والصين وروسيا في مشهد تفوح منه رائحة العالم الشيوعيّ القديم العابر للحدود.

إسبانيا وفرنسا وألمانيا وبقية الزملاء الأوربيين يخوضون حروباً يومية جدّية، عينٌ على الحريات الفردية والتدابير الاحترازية والاستنجاد بالجيش الذي ودّع إسفلت شوارع المدن منذ عقود طويلة، وعيونٌ تتبع تفشّي المرض، بينما الخشية الفعلية تكمن في عدم القدرة على تطويق الوباء كما فعلت الصين. ربّما يكون الخطر الأعظم الذي قد يظهر لاحقاً، وفي اليوم التالي لانقضاء الجائحة، هو الآثار النفسية والاقتصادية الكارثية التي ستواجهها أوربا، علاوةً على صعوبة إعادة ترميم نظام الرعاية الصحيّة غير المؤهل لحالات الأوبئة والجوائح القاسية والمنفلتة.

صرّحت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضيّة الأوربية تعليق الرحلات غير الضرورية إلى دول الاتحاد الأوربي، في محاولة لإبداء موقف أوربيّ موحد، على الرغم من أن دول الاتحاد اتخذت قرارتها منفردةً قبلاً فيما خصّ تعليق بعض الرحلات، ما يجعل من كلام رئيسة المفوضية موقفاً تجميلياً لدور كتلة الاتحاد المنفصم العرى في هذه الظروف.

ليس وضع المملكة المتحدة الخارجة من عباءة الاتحاد الأوربي أفضل حالاً. خرج بوريس جونسن مرتعداً وهو يزمّ شفتيه إلى بعضهما داعياً مواطني “الإمبراطورية” إلى توديع أحبتهم في مشهد دراميّ مستلّ من المسرح الإنجليزي.

من “حسن طالع” الدول الفقيرة أن الوباء ضرب بدايةً منظومة الدول الثرية، أو الدول التي سمّيت وفق الخط الذي حدّدته العولمة بدول الشمال، ذلك لو أن الوباء عصف بالدول الفقيرة في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا بدايةً ربّما كانت الأمور لتميل إلى تباطؤ دوليّ في تطويق الوباء، ولما دخلت مختبرات انتاج الأدوية في سباق محموم لأجل إنتاج لقاحات وعقاقير العلاج بسرعة قصوى كما هو عليه الحال في هذه الغضون. بكلام أقلّ تشدداً، من “سوء طالع” الدول الغنية أن الوباء جاء ثمرة لحركة الموانئ الجوية والبرية المزدهرة، وبذا تفوّقت الدول الفقيرة في أنها لا تمتلك أدوات انتقال المرض كالتي امتلكتها الدول الثريّة.

بطبيعة الحال ستكون الخسائر البشرية في البلدان الفقيرة أعلى، بما لا يقاس بما هي عليه في الدول الغنية، في حال استمرار الوباء في مسيرة تفشّيه غير المتوقّعة، وستكون الخسائر فادحة في البلدان المحكومة بمنظومة استبداد، مرّة لأن الاستبداد يواري الحقائق إلى أن تحين الكارثة ويفتضح أمره، ومرة لأن عجلة الفساد المرتبطة بالاستبداد لا يمكنها اتباع سياسات رشيدة تساهم في تطويق الكارثة.

بصورة ما سيكون العالم ما بعد وباء كورونا مغايراً لما قبله، وعلى مختلف الصعد، ولعل أهمّ درس قد تتعلّمه الحكومات هو أن مسألة التعاون والتضامن الدوليين ليست عبارة جوفاء تنتمي إلى قواميس اليسار العالمي، وأن جائحة أو كارثة طبيعية أو حرباً تحصل في بقعة ما على سطح الكوكب ستلقي بظلالها على بقية العالم، وأن وباءً يعصف بقرية في الصين سيكون له صدى أعظم في آخر قرية قصية في الولايات المتحدة.

قد يعجبك ايضا