الوعي في مجابھة الجاھلیة الثانیة

 

الكاتب: محمد أرسلان

ما زلنا ونحن في خضم أھوال المصائب والأمراض المنتشرة كالوباء تضرب في نفسیة وسیكولوجیة الإنسان حتى بات یبحث عن حلول للخروج مما ھو فيه، وتبقى ھذه الحلول رھینة عقلیتنا المرتبطة بالماضي اكثر ما ھي باحثة في المستقبل.

التأرجح ما بین الماضي والمستقبل لرسم ملامح الحاضر یحمل في جنباته الكثير من التردد أحیانا والتشتت في الكثیر من الأوقات. القدر، الذي یحتل الكثیر من مخیلتنا وشخصیتنا لھ دور كبیر في التأثیر على ما نفكر فیھ على الأقل لإراحة الضمیر ونقنع أنفسنا بذلك نتیجة حالة الصراع النفسي الملازمة لنا منذ نشأتنا والتي تحدد أسلوب حیاتنا وتعاملاتنا مع الآخر.

التنین وما رافقھا من شلل للحیاة العامة في عدد من الدول التي ضربھا ھذا الإعصار، إثبات على أن البنیة التحتیة وحتى الفوقیة لیست مستعدة لمثل ھكذا أعاصیر أو كوارث أن ضربت منطقتنا. وھذا یثبت أن ما تفكر وتعمل علیھ النظم السیاسیة الحاكمة لم تفكر بما ستفعلھ إن حلت مثل ھكذا أعاصیر. حتى مشاریع البنیة التحتیة التي ربما تم صرف الكثیر من الأموال لتھیئتھا، ویبقى الفساد ھو سید الموقف في النھایة.

كورونا، الفیروس الذي یضرب عدد من الدول وانتشر كالھشیم في النار في جغرافیا واسعة اكثر بكثیر مما كان متوقعا، ھو ما جعل الكثیر من الدول تبقى عاجزة عن محاربة ھذا الفیروس. والتدابیر المتخذة حتى الآن لم تتعدَ الإجراءات الاحترازية للحد من انتشاره ولیس للقضاء علیھ. كثیرة ھي الاتھامات التي یتم توجیھھا لھذا الطرف أو ذاك ولتستمر السجالات السیاسیة فیما بین القوى المھیمنة متھمة كل واحدة الأخرى منھا مع الحفاظ على شعرة معاویة. الھالة الإعلامیة التي تصاحب ھذا الفیروس اعتقد انھا مضحكة بما فیھ الكفایة لنشر المزید من الخوف
بین المجتمعات والبشر منتظرة الدولة المخلصة (المخلص، المھدي المنتظر)، لاكتشاف الدواء الذي سیقضي أو سیحد من انتشار الفیروس وبذلك تكون نھایة مسرحیة كورونا قد اقتربت من نھایتھا على طریقة الافلام الھولیودیة.

ھذه الأفلام التي تنشر من خلال صورھا ثقافة الغرب المنتصر دائما والذي یحضر في آخر لحظة لینقذ البشر من الفناء ویكون ھو البطل ویذھب الممثلون الآخرون بالتصفیق لھ وعلى نجاحھ.

الان نحن تقریبا نقترب من نھایة فیلم كورونا وننتظر أن یظھر ذاك الأمريكي ذو الشعر الأشقر والعیون الزرقاء والجسم العضلي لیخبر العالم عن اكتشافھ للمصل المضاد لفیروس كورونا، ونذھب نحن البسطاء لنصفق بكل قوة ونحمد الله على ذلك، وتبقى تحت رحمة الغربي الذي بیده یحیي ویمیت بالوباء الذي صنعھ ونشره وقضى علیھ في النھایة، حینما وصل لما یریده ویبتغیھ. وإن كانت مصالحھ ومطامعھ مختلفھ عما نفكر بھ وفیھ.

النظم الحاكمة في المنطقة والتي ھي آیلة للسقوط منذ فترة ھي نفسھا الأنظمة التي كانت یوما ما تدعي الممانعة والمقاومة للقضاء على العدو التاریخي للقومیة والدین وانھم سیرمون ھذا العدو في البحر في نھایة المطاف. عقود من الزمن تقول لنا الأنظمة الكثیر من الوعود لتحقیق الحیاة الكریمة في ظل حكم الأمة العربیة والإسلامیة الواحدة، التي لا یمكن لاي كائن أن یعبث بھذه الثنائیة المقدسة (الدین والوطن)، حتى تحولت لطابو لا یمكن حتى النقاش حول ماھیتھا وحقیقتھا الوجودیة والزمكانیة في التاریخ والجغرافیا.

عقد من الأزمات عصفت بالمنطقة لنرى مدى الخداع الذي كنا فیھ نعیش. فلا الدین ولا القومویة اشفعت لشعوب المنطقة لتخلصھا
من قاتل راح یقتل بالبشر تحت مسمى الدین مثلما فعل ویفعل إردوغان في سوریا ولیبیا والعراق وقبرص وكذلك استثماره باللاجئین على أبواب أوروبا.

كورونا، النظم المستبدة، إردوغان، كثیرة ھي مصائبنا التي ابتلینا بھا وما زلنا نعاني الأزمات جراء ما كنا نثق بھ والذین تحولوا إلى مجرد تجار وسماسرة للدین والوطن والقومویة، تجار لا یھمھم سوى الربح الأعظمي ولتذھب الشعوب للجحیم.

انھ الجھل الذي ما زلنا نعاني تداعیاتھ وھزاتھ التي ضربت أعماقنا ومقدساتنا التي كنا نؤمن بھا یوما ما.

الوعي والوعي ثم الوعي ربما یكون دواء لداء الجھل الذي أصابنا. والوعي المجتمعي ربما یكون الخطوة الأولى للخروج من حالة الجھل والجاھلیة الثانیة التي نعیشھا. حیث خرجنا من الجاھلیة الأولى منتصرین برسالة سیدنا محمد (ص)، والجاھلیة الثانیة للخروج منھا یلزمنا الكثیر مما نقوم بھ. ثورة ذھنیة ربما تكون السبب في أن نبقى منظمین اكثر للوصول لبناء المجتمع والإنسان الحر.

قد يعجبك ايضا