الشرق الأوسط: الصدر والانتفاضة… انقلاب قصر

 

الكاتب: مصطفى فحص

أخطأ مقتدى الصدر في قراءة التحولات المجتمعية العراقية، خصوصاً الشيعية، وتعامل مع انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) كمساحة اعتراضية محدودة التأثير، فسقط في امتحان الشارع، وراهن على القدرة على غَلبَتِه فغَلَبه الشارع.
توهم الصدر أنه بقرار تخليه عن الساحات والطلب من أنصاره إخلاءها أنها ستخسر زخمها وتتراجع، فصُدم بحقيقة تراجع تأثيره، وباستحالة إخضاع من في الساحات، فردة فعلهم على فعلته تجاوزت توقعاته، بعدما عادت الساحات وامتلأت، ولكن هذه المرة باعتبارات جديدة، وضعت الصدر على قائمة المتهمين في محاولة اغتيالها، ففي إعادة تموضعه لم يستجب الصدر لنداءات العقلاء، حذروه من أن خروجه بهذا الشكل سيغلق أمامه خيارات العودة، أو يعقدها، وبأن انتقاله من موقع المساند إلى موقع الخصم ضرائبه مرتفعة.
أولها أنها جعلته خصماً يشكل تهديداً وجودياً لانتفاضة أكتوبر، بعدما لجأ إلى العنف من أجل، ليس فقط فرض شروطه عليها، بل شروط أعدائها الذين تحوَّلوا بين ليلة وضحاها من خصومه إلى شركائه.
فممَّا لا شك فيه أن الصدر يواجه صعوبة في فهم المتغيرات البنيوية في الفضاء السياسي والاجتماعي الشيعي، التي تضع معايير جديدة تمس سلطته المباشرة، ولا تتناسب مع مفهومه لمشروع الدولة، بالرغم من تبنيه شعارات إصلاحية، لكنها مشروطة بعدم الاقتراب من جوهر النظام الذي شُيّد على أنقاض 2003.
عملياً، فشلت ازدواجية السلطة والمعارضة التي حاول الصدر تطبيقها، وفرض التطور المتسارع للأحداث عليه أن يحسم خياراته، فعاد إلى طبيعته الأولى، وأعاد ذاكرة العراقيين إلى بداية التيار الصدري، ومرحلة التأسيس على العنف التي انزلق إليها التيار سنة 2004 في مواجهة ملامح دولة كان من الممكن أن تتشكل، ويعود التيار إلى خيار العنف من جديد، مرحلة أخطر من السابق، حيث يُخيم شبح العنف الأهلي، وترتفع مخاطر تفكيك ما تبقى من الدولة.
في متحولاته، خسر الصدر ثقة الانتفاضة، وثقة نخب مدنية وعلمانية ويسارية حاورته منذ 2014، وشكلت جسر عبور للتيار الصدري نحو الفضاء الوطني العام، لكنه خسرها.
وفي المقابل لم يسكب ثقة حلفائه الجدد، فوجوده في حلف الكمائن مرتبط بمصلحة محدودة، لن تعوض له ما خسره في العام، حيث يرى البعض أن المجال لا يزال مفتوحاً أمامه للتقليل من خسائره.

قد يعجبك ايضا
iconv does not exist