الشرق الأوسط: إيران تخسر حارسها

الكاتب: مصطفى فحص

 

تاريخياً؛ لجأ الشاعر القومي الفارسي فردوسي (940 – 1020) في كتابه الشهير «الشاهنامه» إلى الاستعانة بالأساطير الشعبية في بناء الهوية الوطنية الإيرانية، فدَوَّن مآثر وبطولات أسطورية رواها سكان الهضبة الإيرانية، بعد انتقالهم إليها من موطنهم الأصلي في آسيا الوسطى وجبال القوقاز، حيث تغنى فردوسي ببطولات الفارس الأسطوري رستم ابن زال، الذي أفرد له صاحب كتاب «الأساطير الفارسية» الحسيني معدي جزءاً مستقلاً بعنوان: «رستم وملك الجن»، يقول فيه: «كان الفُرس يتغنون ببطولة رستم بطل الأبطال حتى لقد سموا قوس قزح بـ(قوس رستم)، وكانوا يبالغون في بطولاته حتى نسبوا إليه الخوارق، ولم يكتفوا بانتصاراته الرائعة على جيوش الإنس، بل نسبوا إليه حروباً أخرى ينتصر (فيها) على الجن والشياطين والسحرة أيضاً».
مما لا شك فيه أن غياب الرجل الثاني في النظام، الذي امتلك صلاحيات استثنائية خوّلته صُنع القرار منفرداً وتنفيذه، سينتج فراغاً كبيراً في إدارة السلطة، وسيفتح الباب أمام صراع قاسٍ بين أركان النظام، ممَّا قد يمنح التيار المعتدل هامشاً إضافياً للمناورة، والتيار الإصلاحي الذي لا يزال يمتلك زخم الشارع، للعودة إلى الواجهة بقوة، مستفيداً من عمليات القمع الأخيرة التي كشفت عن حجم الهوة بين النظام والشعب، الذي عادة ما يلجأ إلى خيارات عقابية عبر صناديق الاقتراع ليعبر عن موقفه الرافض لخيارات الطبقة الحاكمة. ومن المرجح أن يكشف غياب سليماني عن حجم التباين بين العسكر والمدنيين داخل معسكر المحافظين، خصوصاً أن سليماني و«الحرس» قاما منذ مدة بتحجيم كثير من مراكز القوة، وأبرز مثال على ذلك لاريجاني، ووضع حد لطموحات بعض الجنرالات ضمن معركة تصفية حسابات داخلية، وبغيابه سيحاول كثير من هذه الأطراف استعادة دوره أو تعزيز نفوذه، ولكن أغلب الظنون أن الطبقة الحاكمة ستفشل في العثور على ضابط إيقاع يضبط مستوى صراعاتها، وهذا ما سيزيد الأعباء على المجموعة المعروفة بـ«بيت المرشد»، التي باتت تتحمل مسؤولية تنظيم العلاقة بين الأطراف المتنافسة، إلا أنها قد تتعرض للانتقادات بسبب ما يشاع عن طموحات الرجل الأقوى نفوذاً في إيران الآن بعد مقتل سليماني؛ السيد مجتبى خامنئي ابن المرشد وأمين أسراره.
وعليه؛ من رستم فرخزاد إلى قاسم سليماني شاءت الأقدار أن تخسر إيران القلقة على أرض الرافدين حراسها.

قد يعجبك ايضا
iconv does not exist